برودكاست

برودكاست: الإقناع السري

إعداد: رضوان النمر

الإشهار (الدعاية) ليس إقناعاً بالمفهوم المنطقي للكلمة ، وهو ليس كذلك حتى بالمعنى الذي يحيل عليه الحس السليم . إن الإشهار يمتلك أسراره الخاصة وله آلياته في مخاطبة الفرد المستهلك واستدراجه إلى شراك فعل الشراء الذي لا ينتهي.

ولقد أطلق أحد المختصين في ميدان التواصل الإشهاري تعبير «الإقناع السري» على هذا النوع من التواصل ، ليميزه عن غيره من حالات التأثير على الآخر بهدف إقناعه بشيء ما . ويمكن النظر إلى «الإقناع السري» باعتباره «قرصنة» تستند إلى رد فعل انفعالي يتم في غياب آليات التفكير العقلي . فبينما يحيل العقل على حالات وعيٍ تُعبر عن صفاء ذهني يراقب الفعل ويَحُدُّ من غلوائه ، وإليه يستند الإنسان من أجل التمييز بين الكائنات والأشياء وتصنيفها والحكم عليها ، يتميز الإنفعال بإثارته لردود أفعال «عفوية» غالباً ما تستمد مضامينها الحقيقية من اللاشعور وقدرته على تجاوز الحدود التي ترسمها «الأنا» الواعية بنفسها وأفعالها.

وبهذا المعنى ، فإن «الإقناع السري» يعمل على تحييد حالات الوعي هذه ، ليبحث في النفس الإنسانية عن السبل المؤدية إلى تعطيل أدوات المراقبة «لتحرير الفعل من قيوده» والدَّفْع بالفرد إلى عالم الإستهلاك متحرراً من كل الضغوط التي تفرضها المراقبة العقلية

وعلى عكسن «الإقناع الصريح» ، أي ذلك الذي يبلور حججاً وبينات ومقدمات للبرهنة على صحة قضية ما ، فإن «الإقناع السري» له طرقه الخاصة للوصول إلى غاياته ، ذلك أن «الجهود التي يبذلها [ الإشهاري ] للوصول إلى لاوعينا هي مجهودات غير مرئية » . فهذا الإقناع قائم في الأساس على أساليب لاتدركها العين المجردة ، ولا يكشف سرها الإدراك الواعي ، فهي تختفي في ثوب الإيحائي والاستعاري والضمني . لهذا فهي تتجنب استثارة الفعل الواعي لكي تتسلل ، في غفلة عن المستهلك ، إلى عالم اللاشعور حيث تعشش الصور النمطية التي تحدد لنا في غالب الأحيان ردود أفعالنا وسلوكاتنا التي تبدو لنا ، ولغيرنا ، أنها على جانب كبير من العقلانية.

ولهذا فإن غاية الإشهاري هي السيطرة على اللاشعور أولاً ، فذاك هو السبيل الوحيد نحو توجيه سلوكنا وتنميط ردود أفعالنا استناداً إلى مجموعة من المسبقات الاجتماعية التي نرتكز عليها في الشراء والإستهلاك ، وهو ما يعني ضمنياً الدعوة إلى الانخراط في « نمط معين للحياة» تثمنه الأحكام الاجتماعية وتُعلي من شأنه التصنيفات الثقافية.

المصدر: سيميائيات الصورة الإشهارية – سعيد بنگراد  ص12-13 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى