الروحانية في شهر رمضان

img
عبد الهادي الفضلي
خلق الله الإنسان روحاً وجسداً، والعلاقة بينهما علاقة الإرادة للإدارة، فالروح تريد من الجسم لتدير شؤونه وشؤونها عن طريق إرادتها، وذلك بتوجيهها الجسم في جميع سلوكه الإرادي وتصرفاته الاختيارية.
وكما أن الجسم لا تستمر فيه الحياة إلا بتموينه بالهواء والغذاء، كذلك الروح لا تستمر في عطائها لبناء الجسم وتزويده بالحيوية وما يمده بالنشاط إلاّ إذا غُذيت هي الأخرى.
وغذاء الروح لا يتحقق إلاّ بتقوية وتمتين العلاقة بينها وبين خالقها، وقد وجهنا ديننا العظيم لذلك، فأوجب وندب إلى الأعمال التي تمد الروح بالغذاء لبنائها واستمرارية عطائها.
فخصص من ساعات اليوم والليلة لذلك، وهو ما عرف في لغة الفقهاء والمتعبدين بأعمال اليوم والليلة.
وخصص من أيام الأسبوع لذلك، وعلى رأسها يوم الجمعة.
وخصص من شهور السنة لذلك، وعلى رأسها شهر رمضان الذي سماه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في خطبة استقباله له بـ (شهر الله)، وأبان عن مركزه من شهور السنة، حيث جعله تعالى المجال الأرحب لبناء الروح ومدها بالغذاء الذي يشد من علاقتها بالله تعالى شداً وثيقاً محكماً يمنحها الاستمرارية في توجيهها سلوك الجسم السلوك السوي العادل المثمر.
قال -صلى الله عليه وآله وسلم- : “إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ. شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ. هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ”.
وهي خطبة مشهورة شهرة تغني عن التماس تصحيح طرق إسنادها، وممن رواها بسند معتبر السيد رضي الدين بن طاووس في أول كتابه الموسوم بـ (إقبال الأعمال).
وأهم الأعمال التي دعي المسلم للقيام بها -مضافاً إلى الواجبات كالصلوات اليومية وصيام الشهر- هي:
١)  قراءة القرآن تلاوة وتدبراً.
٢)  الإتيان بصلاة نافلة شهر رمضان.
     وهي ألف ركعة موزعة حسب ترتيب خاص أفيد من روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وقد ذكرتُه في كتابي (مبادئ علم الفقه)؛ ولأن تفصيل الترتيب المشار إليه يستغرق أكثر من المساحة المخصصة لكتابة هذه الكلمة التوجيهية، أكتفي بالإحالة إليه، والتحويل عليه.
٣) الدعاء.
     ومن أفضله الدعاء المعروف بـ (دعاء الافتتاح)، وهو مما روي عن أبي جعفر محمد بن عثمان العمري الوكيل الديني الخاص للإمام المهدي (ع)، عنه (ع).
     وجاء في روايته -كما في إقبال السيد ابن طاووس- “وتدعو بهذا الدعاء في كل ليلة من شهر رمضان، فإن الدعاء في هذا الشهر تسمعه الملائكة وتستغفر لصاحبه”.
  وكذلك الدعاء المعروف بـ (دعاء السحر)، وهو مما رواه شيخ الطائفة الطوسي في كتابه (مصباح المتهجد) عن أبي حمزة الثمالي قال: “كان علي بن الحسين سيد العابدين -صلوات الله عليه- يصلي عامة الليل في شهر رمضان، فإذا كان في السحر دعا بهذا الدعاء”.
٤) الصدقة.
    على المعوزين من الفقراء والمساكين بالإطعام والإكساء والإيواء والمال ومختلف المعونات والمساعدات.
قال -صلى الله عليه وآله وسلم- في خطبته المشار إليها: “وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ”.
٥) إحياء ليلة القدر.
     بما ذكر لها من أعمال في كتب الأدعية والأذكار، فقد روي عن الإمامين الباقر والصادق -عليهما السلام-: “إن العمل الصالح فيها خير من العمل الصالح في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر”.
إن هذه الروحيات تسهم إسهاماً فاعلاً في بناء شخصية الإنسان المسلم؛ شخصية سوية تأخذ وتعطي، وتتفاعل مع الآخر في ظلال عيشة راضية، وحياة طيبة معشبة بالرواء والنماء.
وفق الله المسلمين للاستفادة من معطيات هذا الشهر الفضيل.
إنه تعالى ولي التوفيق وهو الغاية.

اترك رداً