متى يكون الميت بالفعل ميتاً؟

img

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

بقلم: كاثرينا  بوسي

متى يكون الميت بالفعل ميتاً ؟ دراسة على أدمغة الخنازير تعزز من أن الموت هو مساحة رمادية واسعة جداً

منذ زمن بعيد، “الموت” يحدث عادة عندما تتوقف دقات القلب ويتوقف التنفس، بعد ذلك اخترعت آلات في ثلاثينيات القرن العشرين  مكّنت الناس من التنفس الصناعي حتى وإن كانوا غير قادرين  على التنفس الطبيعي بأنفسهم. وفي خمسينيات القرن العشرين، طُورت آلات للمساعدة في الحفاظ على نبضات القلب مستمرة.

ولكن لا يمكن لأي آلة إنعاش المريض الذي أصيب بأضرار  لا يمكن شفاؤها  في  الدماغ  ليكون لديه دماغ يقوم  بوظائفه.  نتيجة لذلك،  مفهوم “موت الدماغ” وضع  كتعريف إضافي للموت ليكون متمماً  للموت الذي يحدث من جراء فشل القلب والرئة.

ظل مفهوم موت الدماغ رغم اعتماده قانونًا في الولايات المتحدة وفي أجزاء كبيرة من العالم، مجالًا للمناقشة المستمرة غالبًا ما يركز على كيف يُتوفى  شخص ما حين لا يزال قلبه ينبض وجسمه دافئًا ، حتى لو تم التوصل  إلى هذه الوظيفة بالكامل من خلال الدعم الإصطناعي. موت الدماغ هو أيضا صعب التصور ، حيث أنه شكل من أشكال الموت الأقل وضوحاً.  أليس سهلاً أن نصدق ما نستطيع أن نراه؟

 في ١٧ أبريل ٢٠١٩، أظهرت دراسة نشرت في مجلة نتشر  Nature علامات على نشاط في أدمغة الخنازير بعد ذبحها، مما أضاف المزيد من الإثارة  الى المناقشة. “أنا أخصائية أعصاب متخصصة في الرعاية  العصبية المركزة  neurocritical care، ولي اهتمامات إكلينيكية وبحثية في تلف الدماغ الحاد، والتعرض الواسع لإصابة الدماغ  الكارثية وموت الدماغ. تحليلي للدراسة هو أنها تعزز الكثير مما نعرفه بالفعل، ان الموت سلسلة متصلة (بين طرفين مختلفين جداً) continuum.”

عندما تموت الخنازير ، هل يمكن إنعاش أدمغتها؟

 في الدراسة أخذ الباحثون أدمغة من الخنازير التي  ذبحت في مسالخ خاضعة لوزارة الزراعة الأمريكية، ووصلوها بآلة تضخ سائلًا غذائيًا يشبه الدم الطبيعي عبر أدمغتها بعد أربع ساعات من “موتها”، وقاسوا نشاط خلايا الدماغ، لقد وجدوا أنه حتى بعد ساعات من موتها، الدورة الدموية – أو دورة  الدم  الاصطناعي – وبعض وظائف خلايا الدماغ أمكن إستعادة نشاطها  في هذا الوضعية  التجريبية.

 الاستنتاج هو  أن الموت في الدماغ بعد توقف القلب عن النبض يسلك عملية مطولة ولا يحدث  في لحظة زمنية محددة، وربما لدى أدمغتنا قدرة أفضل على الشفاء مما هو معروف حاليًا.

هل هذا خبر؟  نعم، على المستوى العلمي – ذلك،  تحت المجهر، لأن تجربة كهذه لم تتم من قبل.  ولكن، ألم نعلم منذ فترة طويلة أن الموت لا يحدث في طرفة عين؟

 تتحدث الروايات التاريخية عن الأجساد مقطوعة الرأس أنها بشكل واضح تخطو بضع خطواتأو حتى تجري.

 وهذا يعني أن مثل هذا الجسم لم يمت على الفور.  ومن المتصور ، لو قام أحدهم بتوصيل مثل هذا الجسم بإمدادات الدم وتضميد الجروح، فمن المحتمل أن يتخيل معظم الناس أنه يمكن الاستمرار في الحفاظ عليه بأجزاء جسم أو خلايا حية.

هل يمكن أن يبقى الرأس حياً بعد قطعه؟

 وحتى أسوأ مما يمكن أن نتخيله: هل يمكن أن يكون الرأس المقطوع واعيًا لفترة زمنية قصيرة؟  ربما نعم.

 بعد توقف القلب عن النبض، نعتبر أن الشخص قد مات ولكن بعد توقف نبضات القلب، نعلم أيضًا أنه في بعض الأحيان، يمكن أن يعود نبض القلب من تلقاء نفسه. وهذا  يسمى بالإنتعاش القلبي الذاتي autoresuscitation في هذه الحالة الشخص  الذي يبدو أنه قد مات لعدة دقائق لم بمت بالفعل.

 لكن الوضع مختلف بالنسبة للدماغ عن القلب.  عندما يكون هناك نقص في تدفق الدم حال غياب قلب يضخه، أو عندما تكون هناك إصابة داخلية  في الدماغ لا يمكن للدم الدخول فيه، يكون الوضع صعبًا. الأدمغة حساسة للغاية عندما تحرم  من الأوكسجين وإمدادات الطاقة ، وأضرار   بدرجات متفاوتة تحدث في الدماغ وبحسب  مدة  غياب إمدادات الطاقة عن الدماغ، يمكن أن تظل وظيفة الدماغ حية بدرجات متفاوتة وإعادة  تنشيطها إلى درجة لا يعرفها  علماء الأعصاب بالتمام حتى الآن.  نحن نعلم أن وظيفة الدماغ مختلة بشكل خطير ، مع استمرار متفاوت  لفقدانه  لوظائفه بحسب كم كان طول المدة التي بقي فيها الدماغ بلا طاقة.

النتيجة النهائية لمدى فعالية (ما يقوم بوظائفه) مثل هذا الدماغ التالف هي واحدة من أكبر التحديات التي يتعين علينا معرفة المزيد عنها.

 بعد الإصابة تحدث سلسلة كاملة من العمليات المتتالية والتي تسمى إصابة الدماغ الثانوية (٧) وتنجم عن ضرر حدث للدماغ في المقام الأول.  وغالبًا ما تسبب هذه العمليات أضرارًا هائلة ، وأحيانًا أكثر من الإصابة الأولى الفعلية.

 على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي ضربة قاسية على الرأس إلى حدوث كدمة أو نزيف في الدماغ، ويمكن إزالته عن طريق الجراحة في بعض الحالات.  على الرغم من توقف النزيف أو إزالته، إلا أن المحيط سيبدأ أحيانًا في التورم وحصول كدمات بشكل حتى أكثر من الأول خلال الأيام التالية ، مثل كدمة كبيرة على الفخذ تمر بمراحل ويتغير لونها.  لا يوجد حتى الآن علاج وقائي لهذا ، لكننا نعلم أن بعض العوامل يمكن أن تجعل هذه العملية أكثر سوءًا، مثل ضغط دم منخفض للغاية أو نقص الأكسجين إلى الدماغ أثناء مرحلة التعافي.

تخيل عظماً مكسوراً: الجبيرة عليه هي مجرد خطوة أولى، وهناك تورم وألم وضعف لأسابيع بعد ذلك في الدماغ العملية أكثر حراشةً وفي علوم الأعصاب بدأنا للتو في معرفة  تسلسل هذه  الأحداث .

 ماذا علينا أن نتعلم من دراسة الخنازير دراسة خلايا دماغ الخنازير التي تم إنعاشها لا تقترب حتى من ملامسة هذه الصورة الأكبر. وتقتصر فقط على إظهار أن الفترة الزمنية وطيف وظيفة الخلايا العصبية التي يمكن أن تستمر في الحياة والتي، على الأقل جزئيا، يمكن إنعاشها (استعادة الحياة فيها)  هي  أطول مما تم إظهاره حتى الآن. وبالتالي ، فهي تدعم فكرة أن الموت عملية ، وتضع مجموعة  إضافية من البيانات على طول هذه العملية.

لكن الدراسة  لا تُظهر أن خلايا الدماغ هذه كانت قادرة على العمل كشبكة خلايا عصبية تؤدي إلى وظائف دماغية عليا كالوعي consciousness   أو الإدراك   awareness- وهي السمات التي تميزنا كبشر.  كما نظرت الدراسة  فقط في الاستعادة الفورية لوظيفة الخلية ، وليس إلى كيف تقوم   هذه الأدمغة  بوظيفتها الكاملة، عندما تبدأ عمليات تلف الدماغ الثانوي المستمرة.

 كخلاصة، في غياب تدفق الدم فإن الدماغ بما في ذلك جميع خلاياه ستموت – في نهاية المطاف.  وربما وسعت هذه الدراسة من فهم فكرة “في نهاية المطاف” هذا .

 الموت عملية وليست لحظة في زمن. إنها الرغبة الإنسانية في وضع الأشياء في مصنفات بالأبيض والأسود وتكون لنا تفاصيل تجعلنا نقوم بوظائف الحياة اليومية.  الموت – أصبح  واضحاً أكثر وأكثر  – مساحة رمادية كبيرة وعلينا أن نتوقع  أن هذه المساحة الرمادية تتزايد سعةً مع تقدم العلوم.

الكاتب عدنان أحمد الحاجي

عدنان أحمد الحاجي
عدنان أحمد الحاجي

مواضيع متعلقة

اترك رداً