أقلام

كيف تكون متميزا؟

د/ عبدالجليل الخليفه

لماذا يتميز فقط عدد قليل جدا من البشر بإنجازات و مشاريع تعبر الزمان و المكان  فتخلد عبر التاريخ؟ و لماذا لا يلعب باقي البشر دورهم التاريخي في ساحة الحضارة الانسانية؟ الجواب هو أن الكثير من البشر لا يملك طموحا، أو أنه  يملك طموحا و لكنه يصاب بالبرود و الكسل فيتهاون في تحقيق طموحه و يبقى يراوح مكانه حتى تحترق زهرة شبابه و يودع الدنيا دون أن يحقق مشروعه في الحياة.

إن سبب التميز أمران مهمان، هما: الطموح و المثابرة لإنجاز ذلك الطموح.  لذا يجب رفع سقف الطموح عاليا، فالمرء يطير بهمته كما يطير الطير بجناحيه، انظر مقالة (اجعلني على خزائن الأرض) للكاتب.

وهذه ثقافة يجدر بنا أن نزرعها في أذهان الجيل الجديد. إن الطموح الذي يلامس قلب الإنسان، يستغرق نهاره و ليله و صحوته و نومه و صحته ومرضه لأنه أغلى شيء يملكه الإنسان، فهو أمله و غايته التي يسعى لتحقيقها و يعيش لأجلها.

و هذه هي مرحلة الإنسجام و الإنغماس الكامل في الهدف، التي تشحذ طاقات الإنسان و تفجرها لتصبح كالنهر الجارف المنحدر من قمة الجبل لاتصدها العوائق و لاتحبسها الموانع.

و هذا مايسميه عالم النفس البروفيسور ميهالي سيكز ينتميهالي بالتدفق (flow)، و هو يعادل مستوى مائة درجة على مقياس الإندماج (راجع كتاب يوميات الرئيس، لكاتب المقالة، صفحة ٢٠١).  فكلما كان الطموح محبوبا و مناسبا، كلما كان أقرب الى قلب الإنسان و أعمق أثرا في تفجير طاقاته.

و في الحقيقة، هناك عائقان يحولان دون تحقيق الطموح، أولا: تدافع الحياة، و ثانيا: غفلة النفس.

و على الإنسان ان يكون حذرا في مراعاة الأمرين:

أولا:  تدافع الحياة: إن الحياة مليئة بالمنافسة و الصراع، و هذه سنة الله في خلقه ليميز الخبيث من الطيب، (فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ماينفع الناس فيمكث في الأرض).

و في هذا التدافع تنكسر الكثير من الهمم و تموت الكثير من الطموحات نتيجة خيبة الأمل تارة، و عدم القدرة على التنافس و التدافع تارة آخرى.

فيختار الفرد أن يهبط بسقف طموحه الى مستوى متوسط او متدن جدا ليخفف من وطأة التنافس و ثقل المسؤولية.

فمثلا، قد يبدأ دراسته و طموحه أن يحقق جائزة نوبل في علم معين، ثم يبحر في دراسته و تكبر مسؤولياته الإجتماعية فيكتفي بإنهاء دراساته الجامعية او  العليا كالدكتوراة، و البعض قد تضطره الظروف إلى أن يلتحق مبكرا بعمل يدبر به معيشته.

و بينما يبقى طموح البعض  مشتعلا و نهره متدفقا فيبدع في مجاله الجديد و تزهر له أشجار أخرى في مجالات الحياة المتعددة، يصاب البعض الآخر باليأس و الإحباط فتضمر عضلاته و تموت طاقاته و قد يعيش ميتا بين الأحياء.

ثانيا:  غفلة النفس: قد تغفل النفس عن طموحها بعيد المدى شريف الغاية، فتغلب العقل و تحرف الإنسان إلى لذات قصيرة المدى تشغله و تشتت تركيزه.

خذ مثلا الإفراط في استخدام وسائل التواصل الإجتماعي التي قد تملأ وقت الإنسان و تشتت تركيزه دون أن تحقق إنجازا لطموحه و غايته.

إن النفس ميالة الى اللعب و اللهو، مملوءة بالغفلة و السهو، لذا فهي تحتاج إلى مراقبة شديدة حتى لاتضيع البوصلة و تنحرف مسيرة الإنسان عن طموحه و غايته.

إن الحياة طموح و مثابرة تقهر المصاعب و تفتح الآفاق لمستقبل مشرق، فلا خير في طموح بلا مثابرة. فمن أراد ان يتميز و يحقق طموحه فلتقهر عزيمته مصاعب الحياة، و لتنبه بصيرته النفس من غفلتها.

إن مشوار عشرات السنين يبدأ الآن،  فلنرفع سقف الطموح و لنعقد عزيمة المثابرة،  و ما أسرع ماتنطوي السنوات و تحلو الذكريات، و قد قهر الإنسان المصاعب و أنتصر على التحديات و حقق أشرف الغايات، و إن غدا لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى