أقلام

جعفر عمران.. جدل ثقافي مُتّقد

منى البقشي

لم يعد المصور يلتقط الصورة بزوايا احترافية كي يستنطق المواقف فحسب، ولم يعد الفنان التشكيلي يُلهم ريشته من وحي خياله ويسكبها ألواناً على لوحاته لتسرق مناظرها الفاتنة عشاق الفن.

الكاتب والقاص جعفر عمران، اتخذ من الكتابة فنّاً كتابياً صنع من حروفه الملهمة موادَّ استقطبت القراء.. استنطقها من وحي اللحظة أحياناً، ومن السنين التي ألهمته الكثير وعلمته كيف يلتقط الإشارة أحياناً أخرى، فقويت هذه الخاصية عنده بالتمرين، حتى تلونّت عنده الكتابات، فالمواقف تسببت في تفجير مواده المتنوعة، ناهيك عن المخزون الكبير من الأفكار التي يختزنها، وتحدوه الرغبة بالبوح بها عن طريق الكتابة.
لم يثنه توقفه عن العمل الصحافي الرسمي مع الصحف عن الاستمرار في الكتابة، ولكن دوره كإعلامي وكاتب حتم عليه القيام بالتواجد في الساحة باستمرار، حتى باتت كتابة جملة واحدة لشخص ما تعني له الكثير، فالخبرة الكافية صقلته وجعلته يتصيد الأفكار ويعبر عما يشعر به الإنسان الذي يعيش في محيطه على الأقل.
“وباء كورونا”، هذا الحدث العالمي، شكّل لعمران مادة خصبة فجّرت من قلمه مقالات حاكى فيها الواقع المجتمعي وتعامل معه منذ بدايات الحدث كمثقف وكاتب، فرأى أن الوباء مزدحم بالأحداث الجديدة والحساسة، وعليه اقتناص الفرصة كحدث جديد يعيشه الإنسان يستحق تدوينه في التاريخ، ووجد أن دور الإعلامي هو الكتابة عمّا يعيشه الإنسان من فرح وقلق وتوتر وترقّب، فآمن بأن اللغة الصحافية هي اللغة القادرة على ترجمة الحدث، وهي الأقوى على ترجمة اللحظة الراهنة التي لا تحتمل التأخير، وذكر بأن هذه اللغة أقوى من الشعر والقصة والمسرح في مثل هذه الظروف المتحركة، لأن الشعر أو المسرح أو حتى الفيلم والرواية تنتظر أن تضع الحرب أوزارها وتكتمل القصة ثم تبدأ مرحلة التعبير عنها.
“عمران” صنع من فرض الحجر المنزلي بسبب “كورونا” بقعة ضوء، وكاميرا تتجول في رحم الحظر تولدت منها كتابات تحلل الواقع المجتمعي وتصف هروبهم داخل المنزل. ففي زحام “كورونا” وأحداثها المتعاقبة يعتقد “أن الإنسان سيبدأ بوعي جديد، هي نقطة تحوّل إجباري”.
كاميرا “عمران” باتت مرآة صقيلة تستطيع التمييز من خلال مقاربة الواقع وقولبته في كتابات تترجم الحدث بأسلوب خاص، أسلوبٍ مُنفلتٍ ومتجددٍ لا يشبهه ولا يقلّده أحد، وهذا ما كان يريد الوصول إليه في أروقة كتاباته، فخرج بحلة جديدة تجلت في موضوع “بروفة كورونا، كورونا أول مرة”، والذي قرر استخدامه في مقالاته المقبلة.
لم يكن هذا الاختلاف في كتاباته وليدَ حدث كورونا فقط؛ بل كان ينشد التجدد منذ عدة سنوات.. يقول “بدأت عام 2016 أكتب بشكل مختلف، خاصة في مقالي بعنوان: “سعوديون ينشرون غسيلهم على حبل بنت ترامب” و”كواليس علي الجابر” و”كيف نبكي على من علمنا الضحك” الذي تناول رحيل الفنان عبدالحسين عبد الرضا.
أراد أن يجمع في المقال الواحد أسلوب القصة، وتوظيف المثل الشعبي، والبعد الديني، والتأمل، والفلسفة، والحركة، والإيقاع، والضحك، والخفة والرشاقة في اللغة، كما أرد أن يخوض التجربة بإثارة أسئلة من قبيل: هل الكتابة قادرة على منافسة الصور والفيديو؟ وهل الكتابة قادرة على أن تجبر القارئ في الاستمرار بالقراءة حتى آخر جملة في النص؟ وهو يؤكد قدرة الكتابة إذا كانت تتمتع بمواصفات الصورة من سهولة ورشاقة ووضوح وخفة في الحركة داخل النص. ويعتقد عمران أنه بدأ يجيد هذا النوع من الكتابة.
المؤكد أيضاً؛ أن السرد الذي يسطره على الورق كان التقاطاً ذكياً من أحاديث الناس والأهل والأسرة، ومن شبكات التواصل (من رسائل الواتساب بشكل خاص)، إذ يلتقطها ويتركها في رأسه حتى تختمر الفكرة. لكنه يشير إلى أنه ليس كل ما يجول في خاطره من أفكار كثيرة تهبط جميعها على الورق، بل يمتنع من الحديث عن بعضها، ويقول في ذلك: “أحياناً أخشى أن أتحدث عن الأفكار التي في رأسي، بعضها أخفيها عن النشر. وبعضها أحوّرها وأغلفها بلغة أدبية غامضة.. بعض الأفكار إذا لم تخرج من الدماغ فإنها تصيب صاحبها بالجنون”.
تميزت مقالات عمران بالعمق والجرأة والتمرد على الواقع المائل. ابتعد فيها عن البساطة والسطحية، وانتهى به أن يكتب لمن يتذوق ثقافته ويتماهى مع كتاباته، حتى أن بعضها خضع للنقد والرفض كما هو الحال مع مقال “كورونا لأول مرة” الذي تخللته أسئلة تفضي للإيمان بالله. تلك الأسئلة أثارت الجدل بعد نشر المقال، حيث اعتبره البعض حراكاً ثقافيا عميقاً تغلفه مسحة عرفانية أسقطت الكثير من الأفكار الشائبة، بينما رآه البعض من السطحيين تشكيكا في وجود الله. يقول: “في كل مقال تزعل ناس وترضى ناس.. أحياناً أشعر بالإحراج من أفكاري لأنها غير مألوفة وربما غريبة، ولكن قلة من يفهم ما أكتب ويغوص في أعماقها ويستخرج منها اللؤلؤ.. لهؤلاء الذين يفهمونني أنا أكتب وأنشر”.

عنفوان التجديد جعله في كل مرة يحاول أن يجرب شكلاً جديداً يركز فيه على “ثقافة الصورة” ينشرها في كتاباته نهاية كل عام ميلادي. وربما ساعده في ذلك اتقانه لأسلوب القصة الصحافية الذي تجلى في مجموعة القصص المنشورة له في الصحف التي ضمنها كتابه “ذاكرة المكان”.
“استخدمت كل ثقافتي في المسرح والموسيقى والفن الشعبي والتراث الديني والفلسفة والصورة والقصة والرواية وقصيدة النثر والصحافة والإعلام، فكلها كيمياء لا يمكن فصل عناصرها” هكذا يقول “عمران”.
ستة مقالات مختلفة أدرجها “عمران” في سجل كتاباته عن كورونا هي: “كورونا.. أنت ومن يعز عليك، كورونا في البيت، بروفة كورونا، عقارب كورونا، كورونا لأول مرة، وآخرها “ضحكة كورونا”
يبدي “عمران” القدرة على الكتابة يومياً، ولكنه لا يريد أن يثقل على القارئ ويعلل ذلك بقوله “يكفيه ما تنعم به شبكات التواصل من هدير الصور والفيديو والمقالات والنصائح والإرشادات، فثقافة الصورة تدعوه للتأمل كثيراً والتعديل والإضافة دون استعجال النشر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى