أقلام

فتنة كورونا

تهاني الوباري

لا أعلم كم سطرا حاولت أن أبدأ به مقالتي ومسحته ، وكم مرة تراجعت عن هذه النية وعدت إليها من جديد، فهناك نداء يقول لي إنك غير مؤهلة ولا مختصة بكتابة مقال بهذه الخطورة، وهناك نداء الحب الاجتماعي ومسؤولية الكتابة التي طلبت من الله كثيراً أن لا يكون لقلمي انحراف فكري أو عاطفي أو انفعالي يسبب الأذى للآخرين ، الحب والشعور بالمسؤولية يشدّاني نحو نسج هذا النسيج.
قد لا أكون مؤهلة له علمياً ومعرفياً لكني أثق في الدافع الذي في نفسي بعد أن تأكدت جيداً أنه خال من التصنيفات العرقية والقبلية وهو ماأراه (بوجهة نظري الشخصية على الأقل) أننا بحاجة إليه في هذه المرحلة (صوت الحب).

لم يكن عندنا أدنى شك بأننا على أبواب أزمة تقترب منا، فكل المعطيات المنطقية والعقلية كانت تنبئ بأن هناك سيلا جارفا يسيل حول العالم، ونحن مكوّن صغير من هذا العالم ولسنا محصنين عن البلاء ولاعندنا (كرت) استثناء إلهي من الظواهر الكونية، فلم نُصدم حينما وصل المرض إلينا بل صُدمنا بأن الفايروس ليس كما وصفه الإعلام ولا كما صرحت به وزارة الصحة، حينما خضنا المعركة رأينا زوايا حادة لم نكن نراها حينما كنا نقرأ الحقائق والقصص الواقعية،

رأينا أن المرض لايضرب الرئة وحسب، بل يضرب النفوس والقلوب والصدور، إنه فتنة يصعب من خلالها تفكيك معادلاتها والتمييز فيها بين الخير والشر
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ) أخطر الشرور التي تواجه الإنسان ليست الشرور الواضحة البينة التي لا يختلف في تمييزها العاقل والجاهل، وإنما هي الشرور الخفية التي تكون من نفس الإنسان ولا يراها، بل ويشعر أنها بدوافع إنسانية واجتماعية، ولكنها في الحقيقة هي شر خفي لا يشعر به، هذه الشرور لا علاج لها إلا بالتعوذ بالله منها ومن آثارها السيئة، وطلب التوفيق الإلهي في رؤية جادة الصواب وعدم الثقة التامة بالنفس وأحكامها السطحية.

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ )

لا يكون الإبتلاء إبتلاء إلا إذا صحبته الحيرة وعدم الوضوح، فلو كان لكل الابتلاءات خريطة عقلية ونفسية واضحة لما احتاج الإنسان إلى رب ينقذه ويخرجه من ظلمة الاعوجاج إلى نور الصراط المستقيم (إهدنا الصراط المستقيم) ماالسر في طلب الهداية في كل صلواتنا بماأننا نصلي ألسنا على الصراط المستقيم؟!
الصراط المستقيم له مفهوم واسع جداً يبدأ من الإيمان بالله ولاينتهي بل يمتد الى أصغر أمورنا الدنيوية، إنه طلب الرؤية الصحيحة في حياتنا بمشكلاتها ومنعطفاتها والإبتلاءات التي تواجهنا صغيرها وكبيرها، ولو كان الإنسان المؤمن (العالم والجاهل) قادراً على تمييز الصواب لما أمره الله في كل صلاة أن يطلب منه المعونة على رؤية الحلول الصحيحة.

ونحن اليوم لا نواجه مرض كورونا فحسب، بل نواجه فتنة تحتاج أن نقابلها بأخلاق الله ونكون كما نريد أن يكون الله معنا، نحتاج أن نتبنى قاعدة رئيسة يتبعها القادة الأبطال في مواجهة الأزمات وهي (ليس هذا وقت التعليق على الأخطاء)
التعليق على الأخطاء يُضعف الهمة ويحرف البوصلة عن الإتجاه الصحيح، إنه وقت التلاحم والتآزر والحب وطلب التوفيق الإلهي بتخليصنا من شرور أنفسنا إن النفس لأمارة بالسوء إلا مارحم ربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى