أقلام

هل يحكم الإمام المهدي(ع) بالرحمة أم بالسيف؟{ج٢}

طرحنا في الجزء الأول ثلاثة أحاديث يدعي رواتها أن الإمام المهدي يحكم بالقتل، وبيننا كذب ادعائها، ولنستمع الآن إلى حديث جميل من أحاديثنا المباركة التي تصف الإمام حق الوصف:
١- في حديث طويل عن إصبغ بن نباتة في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام جاء فيها:
“ يبايعون على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا، ولا يهتكوا حريما، ولا يسبوا مسلما،ولا يهجموا منزلا، ولا يضربوا أحدا إلا بالحق،ولا يخربوا مسجدا، ولا يقطعوا طريقا، ولا يظلموا يتيما،
ولايخيفوا سبيلا،
ولا يحتسبوا مكرا، ولا يأكلوا مال اليتيم، ولا يفسقوا بغلام، ولا يشربوا الخمر، ولايخونوا أمانة، ولا يخلفوا العهد، ولا يحبسوا طعاما من بُر أو شعير (الاحتكار)،ولا يقتلوا مستأمنا، ولايتبعوا منهزما (هاربا من الحرب)، و لايسفكوا دما، ولا يجهزوا على جريح…”
تكفينا هذه الرواية،وهذه الكلمات النورية من مولانا أمير المؤمنين (ع) في صفات الحجة المنتظر- أرواحنا فداه – حيث يأخذ البيعة من الناس على هذه الأمور الجميلة المشروعة المحمدية السمحاء، لا أن يأتي لينتقم من أعدائه، فمما يشتهر على ألسنة البسطاء العوام أنه ينتقم من أعداء جده أمير المؤمنين، وجده الحسين (ع)، فيخرج جثثهم من القبور، ويحرقها !! إنه أمر تضحك منه الثكلى.
نعم، إمامنا ليس مأمورا بالقتل والنهب وسفك الدماء كما يصوره البسطاء من الناس أو الذين في قلوبهم مرض،
بل هو الذي يقتدي بجده تمام الاقتداء، وينشر تعاليم جده طابق النعل بالنعل، وحتى جاء في حديث (إن صح) أن السفياني أيضا لا يهجم عليه بادئ الأمر بل يكلمه ويحاوره، ولكن عندما يرى منه التعنت والإصرار على القتال، يقاتله لأنه إمام رحمة وليس إمام انتقام وخشونة.
وربما كان الحوار سياسة الإمام مع كل من يخرج عليه ويحاربه حتى لا يكون البادئ في القتل،
ولا يظلم أحدا قيد أنملة عليه السلام.
و لا شك أن السياسة الرحيمة للإمام عليه السلام تؤتي ثمارها سريعا فيدخل الناس في دين الله أفواجا.
٢- وفي حديث آخر : “ عن جابر عن الإمام الباقر (ع) : “ إذا قام قائم أهل البيت قسّم بالسوية، وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وإنما سمي المهدي مهديا لأنه يهدي إلى أمر خفي،
ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عز وجل من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة،
وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن ..”

لاحظو أن الإمام لا يُكره الناس على الإسلام فنراه يحكم بين أهل الكتب السماوية بما يعتقدون به. وهذه نهاية العدل والرفق والإحسان بالناس.
فأين الانتقام والسيف وضرب الناس حتى يسلموا كما يدعي البعض؟
نعم، الدين يومئذ هو الإسلام قطعا،ولكن من لا يريد أن يسلم فقد يعطي الجزية ويعيش بين المسلمين مكرما محترما، أو يتعامل معه الإمام معاملة أخرى مستندة الى الكتاب والسنة الصحيحة لا يحيد عنهما قيد أنملة وهو أحق من غيره باتباعهما.

٣- حديث أمير المؤمنين (ع):
“فيَبْعَثُ المهْدِيُّ (عليه السلام) اِلى أُمَرَائِهِ بسائرِ الأمْصارِ بالعَدْلِ بينَ النَّاسِ، ويذْهَب الشَّرُّ ويبْقَى الخيرُ، ويزْرِعُ الإنسانُ مُدّاً يخْرُج له سبْعمائة مُدٍّ كما قال اللهُ تعالى: ( كَمَثَلِ حَبَّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَة مِاْئَةُ حَبَّة وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ)
العدل هو شعار الإمام،
والخير هو عطاؤه.

٤- حديث رسول الله (ص):
“ « يا اُبيُّ ! طوبى لمن لقيه، وطوبى لمن أحبّه، وطوبى لمن قال به. ينجّيهم من الهلكة.
وبالإقرار بالله وبرسوله وبجميع الأئمة، يفتح الله لهم الجنّة.
مثلهم في الأرض كمثل المسك الذي يسطع ريحه فلا يتغيّر أبداً.
ومثلهم في السّماء كمثل القمر المنير الّذي لا يطفأ نوره أبداً»
أجل، الإمام يظهر لإنقاذ الناس من الهلكة ومن الدخول في سبل الضلال والشر، ومن يريد هداية الناس يأمر بالمعروف
وينهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، لا برفع السيوف وقطع الرؤوس.

٥- رسول الله:
“ تأوي إليه أمته كما تأوي النحلة الى يعسوبها، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأول. لايوقظ نائماً ولا يهريق دماً).
ولعل معنى ( على مثل أمرهم الأول) أي في المجتمع الإنساني الأول عندما كانوا أمة واحدة على صفاء فطرتهم الانسانية، قبل أن يقع بينهم الاختلاف كما قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً).
الله أكبر من شدة رحمة هذا الإمام العطوف الذي لا يرضى حتى بإيقاظ النائم لكي لا يزعجه، ولا يهريق دما، فإنه لم يظهر لإراقة الدماء بل يكفي أن يرى الناس منه الأخلاق الحسنة فيأووا إليه “ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك “ وما هذا الابن بمستثنى عن آبائه و أجداده الأطهار سلام الله عليهم .

٦- عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض.
لاتدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته، ولا الأرض من نباتها شيئاً إلا أخرجته، حتى يتمنى الأحياء الأموات)، أي يتمنى الأحياء أن الأموات كانوا أحياء لينعموا معهم ويروا ما رأوا من الرحمة والعطف والحكم الإلهي العادل.
وكيف يمكن أن يرضى الناس عن رجل شديد البأس جاء لينتقم ويقتل ويسفك الدماء؟
نعم إنه لا يرحم المجرمين والظالمين،
وهذا أمر مفروغ عنه “ أشداء على الكفار رحماء بينهم “ ولكنه بالعدل
والشفقة والرحمة بين الناس يبسط حكمه العادل، فلا داعي للإكثار من القتل حتى يقول قائل: ماهذه خصال ابن رسول الله ! والعياذ بالله.

٧- الإمام الصادق عليه السلام قال: (المهدي محبوب في الخلائق، يطفئ الله به الفتنة الصماء).

محبوب في الخلائق،
والخلائق لا تنحصر في أمة جده صلى الله عليه و آله فكل الخلائق خاصة المحرومين،
والمستضعفين من جميع الفئات والأمم يحبونه لأنه يريد لهم الخير،
ويريد نشر العدالة
والرحمة في أوساطهم.

٨- عن طاووس: (علامة المهدي: أن يكون شديداً على العمال، جواداً بالمال، رحيماً بالمساكين).وفيها : (المهدي كأنما يلعق المساكين الزبد).

٩- الإمام الصادق : « يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة فيطيعونه، ويستخلف فيهم رجلاً من أهل بيته »
وما هي الموعظة الحسنة إلا الاستدلال بالدليل القاطع والبرهان الساطع، وبكل لطف حتى يهتدوا ولا يضلوا الطريق. وهذا ديدن كل المصلحين المؤمنين، والإمام المهدي عليه السلام الأنموذج الأمثل للمصلحين الذين يريدون الإصلاح لا الإنتقام.

١٠-وعن الإمام الصادق عليه السلام: رحمكم الله بنا يبدأ البلاء ثم بكم، وبنا يبدأ الرخاء ثم بكم، رحم الله من حببنا إلى الناس ولم يكرهنا إليهم”
يا ترى أ ليس هذا هو الإمام الصادق المصدق عليه السلام يطلب منا – روحي فداه- أن نحببهم إلى الناس، أو ليس المهدي المنتظر – روحي فداه – من الأئمة الهداة عليهم السلام، فلماذا نريد أن نظهره في مظهر المنتقم الخشن ليفرّ منه الناس ولا ينجذبوا إليه؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى