أقلام

إنعاش ذاكرة أسرة تحتضر

زكريا العباد

للعائلات ذاكرة بلا شك، هي مثل ذاكرة الفرد تمامًا، تصاب بالنسيان وتعتل بالتجاهل، ويمكن أن يصيبها التقدم في العمر بخلل خطير.

هل تتذكر أيامك الأولى على وجه الأرض؟
على الأرجح أنك لا تتذكرها، وربما لا تتذكر خطواتك الأولى في مسيرة المشي، وهنا يأتي دور المقربين الذين هم بمثابة الكاميرا التي انطبعت في ذاكرتها صورك الأولى، تقول أمك: لقد تأخرت في المشي قليلًا، ولكنك بكرت في النطق. أما أختك الكبرى فتقول: لقد كنت قلقة لتأخرك في المشي، ثم تطلق ضحكة ساخرة: لكنك غيرت رأيي حين مشيت فقلبت هدوء البيت إلى جحيم، كانت الصحون تطير في كل مكان والأواني القابلة للكسر، اضطررنا إلى تخزينها في الكراتين أعلى النملية إلى أن نبت في رأسك عقل!

هذه واحدة من حسنات الذين سبقونا إلى هذه الدنيا، وحين يرحلون ترحل معهم صورنا الأولى التي لم نشاهدها نحن، ولكنهم احتفظوا بها في عقولهم وقلوبهم. لأرواحهم الرحمة.

كلما تسرب ماء الأيام من بين أصابعك عرفت قيمة هؤلاء الذين يزرعون الدفء في اللقاءات، وبدونهم تصبح الأماكن باردة، فلا تتجاهل أسرتك، فالمرء بلا ظلّ أسرة كالرجل بلا ذاكرة، ليس سوى رجل خرف قُذف في دار العجزة، لا يتذكر أحدًا ولا يتذكره أحد!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى