أقلام

دراسة: البشر مجبولون على تجاهل الحقائق التي لا تتناسب مع رؤيتهم الكونية

ترجمة: عدنان احمد الحاجي

تتميز الولايات المتحدة (من بين الدول الأخرى) بشكل متزايد بكيانات إيديولوجية شديدة الاستقطاب معزولة معلوماتياً مسيطرة على عوالمهاالواقعية.

ما وراء هذه النزعة الطبيعية في المدونات السياسية المحافظة، فيُعد الاحترار العالمي إحدى أمرين: إما خدعة أو مشكوك فيه بحيث لا يستحقالرد عليه في مجتمعات جغرافية أو انترنتية أخرى. ومن المعروف أن اللقاحات والماء المفلور (فيه فلورايد) والأطعمة المعدلة وراثياً تشكلخطورة.

ولا شيء من هذًا صحيح ، إن واقع الاحترار العالمي الذي يسببه الإنسان هو علم  ثابت، والعلاقة المزعومة بين اللقاحات والتوحد كُشف زيفها  بشكل قطعي مثل أي شيء ما في تاريخ علم الأوبئة.

ومع ذلك، ينكر العديد من المتعلمين تعليماً جيداً الاستنتاجات القائمة على الأدلة بشأن هذه الأمور.

ومن الناحية النظرية يجب أن يكون حل النزاعات الواقعية سهلا نسبيًا فبمجرد تقديمك دليلاً قوياً على إجماع الخبراء فإن هذا النهج ينجحفي معظم الأحيان، عندما تكون المسألة على سبيل المثال الوزن الذري للهيدروجين.

لكن الأمور لا تسير بهذه الطريقة عندما يقدم الإجماع العلمي صورة تهدد النظرة العالمية الأيديولوجية لشخص ما.

ففي الممارسة العملية، يتضح أن الهوية السياسية أو الدينية أو الإثنية للفرد تتنبأ بفاعلية باستعداد الفرد لقبول الخبرة في أي قضية مسيسةمعينة.

الاستنتاج المدفوعهو ما يسميه علماء الاجتماع عملية تحديد الأدلة التي يجب قبولها بناءً على الاستنتاج الذي يفضله المرء. كما أوضحتُفي كتابيحقيقة الإنكار The Truth About Denial، فإن هذا النزعة الإنسانية تنطبق على جميع أنواع الحقائق عن العالم الماديوالتاريخ الاقتصادي والأحداث الجارية.

ذات الحقائق تبدو للناس بشكل مختلف حسب ما هم  يعتقدونه بالفعل.

الإنكار لا ينبثق من الجهل الدراسة (٦) متعددة التخصصات لهذه الظاهرة اتسعت على مدى السنوات الست أو السبع الماضية. أصبح هناكشيء واحد واضح: فشل المجموعات المختلفة في إدراك حقيقة تغير المناخ، على سبيل المثال لا يمكن تفسيره بعدم وجود  معلومات علىالإجماع العلمي حول هذا الموضوع (٤). لكن فإن ما يتنبأ به بشدة إنكار الخبرة في العديد من الموضوعات المثيرة للجدل هو الإتجاهالسياسي للشخص.

أظهرت دراسة ميتا meta التي نشرت  عام  ٢٠١٥ أن الاستقطاب الإيديولوجي حول واقع تغير المناخ يزداد بالفعل مع المعرفة التي يمتلكهاالمجيبون بالسياسة والعلوم و / أو سياسة الطاقة. إن احتمالات أن يكون المحافظ conservative منكراً لتغير المناخ أعلى بكثير لو كانالشخص  حاصلاً على تعليم جامعي.

ومن جانب أن الإنكار أمر طبيعي فقد نشأ أسلافنا في مجموعات صغيرة، حيث كان التعاون والإقناع على الأقل مرتبطين  بالنجاح الإنجابي/التكاثر بقدر ارتباطهما بمعتقدات واقعية دقيقة حول العالم.

إن الإيستيعاب  في قبيلة شخص يتطلب الاستيعاب في نظام الاعتقاد الأديلوجي للجماعة. انحياز غريزي لصالح الجماعة ووجهة نظرهاالعالمية متأصلة بعمق في السيكولوجيا البشرية.

إن إحساس الإنسان بالذات مرتبط ارتباطًا وثيقًا بهويته أو بوضعية/مكانة الجماعة ومعتقداته. ومن غير المفاجئ إذن أن يستجيب الأشخاصتلقائيًا ووقائياً للمعلومات التي تهدد نظرتهم العالمية الأيديولوجية. نرد على ذلك بترشيد وتقييم انتقائي للأدلةأي أننا ننخرط فيالتحيزالتأكيدي، ونمنح شهادة الخبير التي نحبها ونجد أسبابًا لرفض الباقي.

أكد عالما السياسة تشارلز تابر وميلتون لودج تجريبياً وجود هذا الرد التلقائي. لقد وجدوا أن المشاركين في التجربة من المتحازبين، عندماقُدمت لهم صور للسياسيين، أبدوا  استجابة وجدانية منالإعجاب / عدم الإعجابسبقت أي نوع من التقييم الواقعي الواعي لمن تمتصويره.

  

في المواقف الأيديولوجية المشحونة ، ينتهي تحيز شخص إلى التأثير على معتقداته الواقعية. بقدر ما تعرّف  نفسك من حيث انتماءاتكالثقافية (١٤)، فإن المعلومات التي تهدد منظومة معتقداتكعلى سبيل المثال، معلومات عن الآثار السلبية للإنتاج الصناعي على البيئةيمكن أن تهدد إحساسك بالهوية نفسها.

إذا كان هذا جزءًا من النظرة العالمية الأيديولوجية لمجتمعك  بأن الأشياء غير الطبيعية غير صحية، فإن المعلومات الواقعية حول الإجماعالعلمي على اللقاح أو سلامة الأغذية المعدلة وراثياً تبدو وكأنها هجوم شخصي.

المعلومات غير المرغوب فيها قد تهدد بطرق أخرى. منظروتبرير النظام، كعالم النفس جون جوست/يوست Jost، بينوا كيف أن المواقف التيتمثل تهديدًا للأنظمة الثابتة تثير تفكيراً غير مرن ورغبة في الإنغلاق. على سبيل المثال كما راجع جوست وزملاؤه باستفاضة ، فإن السكانالذين يعانون من ضائقة اقتصادية أو تهديد خارجي قد تحولوا في كثير من الأحيان إلى قادة سلطويين وهرميين يعدون بالأمن والاستقرار.(١٧)

يرى كل شخص  العالم من خلال عدسة محازبه أو عدسة آخر، بناءً على هويته ومعتقداته.

الإنكار في كل مكان هذا النوع من التفكير المفعم بالحيوية والحماس يفسر مجموعة واسعة من الأمثلة على الرفض الشديد المقاوم للحقائق(الوقائع/ المعلومات) التاريخية المستندة للأدلة والإجماع العلمي.

هل ثبت أن التخفيضات الضريبية تعوض نفسها من ناحية النمو الاقتصادي؟ هل لدى المجتمعات/الأحياء السكنية  التي فيها أعداد كبيرةمن المهاجرين معدلات مرتفعة من جرائم العنف؟ هل تدخلت روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام ٢٠١٦؟ كما هو متوقع، يتمالتعامل مع رأي الخبراء في مثل هذه الأمور من قبل وسائل الإعلام المتحازبة كما لو أن الأدلة هي نفسها حزبية بطبيعتها.

إن ظواهر المنكرين كثيرة ومتباينة، لكن القصة التي وراءها في نهاية المطاف بسيطة للغاية. الإدراك البشري لا ينفصل عن الاستجاباتالعاطفية اللاواعية التي تصاحبها. في ظل الظروف المناسبة ، الصفات الإنسانية الشاملة كالمحسوبية داخل الجماعة  والقلق الوجوديوالرغبة في الاستقرار والإنضباط يمكن أن تتحد في سياسات الهوية السامة والمبررة للنظام system-justifying.

عندما تهدد المعلومات الواقعية غير المرحب بها اهتمامات الجماعة أو مذاهبها أو عقائدها، التفكير المنحاز يصبح إنكاراً. ولسوء الحظ فإنهذه الحقائق عن الطبيعة البشرية يمكن أن ُيتلاعب بها لتحقيق غايات سياسية.

هذه الصورة قاتمة بعض الشيء ، لأنها تشير إلى أن الحقائق وحدها لها قوة محدودة في حل القضايا الإستراتيجية كتغير المناخ أو الهجرة. لكن معرفة ظاهرة الإنكار بشكل صحيح هي بالتأكيد خطوة أولى حاسمة لمعالجتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى