أقلام

الثقة بالله تعالى ثمن لكل غال

الشيخ مرتضى الباشا

روي عن الإمام الجواد (عليه السلام): (الثقة بالله تعالى ثمن لكل غالٍ، وسلّم إلى كل عالٍ) بحار الأنوار 75: 364.

كل شيء (غالٍ واقعًا)، لا يمكن أن تحصل عليه إلا من عند الله، ولا يكون ذلك إلا بالثقة بالله والاعتماد عليه دون سواه.
وكل شيء (عالٍ واقعًا)، كذلك لا يمكنه أن تصعد وتصل إليه إلا بواسطة سلّم ودرج الثقة بالله تعالى.
أما الأمور الزائفة والمزخرفة، فالوصول إليها عن طريق الكذب والدجل والكفر والنفاق وأمثال ذلك.

معنى الثّقة وحسن الظّن باللّه هو أن تقبل ظاهرًا وباطنًا، بلسانك وقلبك وعقلك وروحك، جميع أقوال الله ورسوله، وجميع أفعال الله ورسوله على أنّها عين الحقّ والصدق والعدل والخير والحكمة، بلا شكّ أو ترديد أو اعتراض أو حزازة.

قال الله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء: 65.

قال الشيخ محمد جواد مغنية (معنى الثقة باللّه أن تعتقد بأنّ النفع كله، والضرّ كله بيد اللّه وحده، وأنّ أهل السماء والأرض لو اجتمعوا وتكاتفوا على أن يقفلوا في وجهك النوافذ كلها، ويسدّوا عليك الطرق بأجمعها لجعل اللّه لك فرجًا ومخرجًا، من حيث لا تحتسب الفرج والمخرج إلا منه، وأن تعتقد أيضًا أنّ ذنبك مهما عظم فعفو اللّه يتسع له، وأنّك لو وقعت في أعظم الشدائد فإنّ اللّه قادر على خلاصك) عقليات إسلامية 2: ٣٧٦.

المثال الأول:
قال الله سبحانه (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) القصص: 7.
أن تقوم الأمّ بتصديق الوعد الإلهي، فتلقي ابنها وفلذة كبدها في اليمّ، وهي واثقة بوعد الله تعالى، بأنّ الله سيردّه إليها، بل وسيحفظه سنوات طويلة إلى أن يصبح من المرسلين.

المثال الثاني:
قال عزّ وجلّ (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) إبراهيم: 37.
أن يترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع بين صخور مكة القاسية والحارقة، بلا ماء ولا شجر، ولا مؤنس من البشر، ويثق بوعد الله ورحمته، ويسافر عنهما، وكذلك ثقة هاجر بوعد الله وحكمته، وامتثالها لذلك، هذه دروس في العائلة الواثقة بالله.

المثال الثالث:
قال جلّت قدرته (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) الأحزاب: 12.
في هذه التجربة، نجد طائفتين: طائفة (المنافقين)، وطائفة (الذين في قلوبهم مرض) قد برز ذلك في واقعهم خلال الامتحان، فكذّبوا بوعد الله ورسوله.

والآن لنتساءل:
قال الله جلّ جلاله (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) الطلاق: 2-3.
فهل أنا في واقعي وسلوكي واثق بكلام الله ووعده؟
هل أتقي الله تعالى وأترك الرشوة وأنا على ثقة بأنّ الله تعالى سيجعل لي مخرجًا ويرزقني من حيث لا أحتسب؟
هل أمنع تصرفات زبائني المخلّة بالآداب الشرعية، وأنا على ثقة بأنّ رزقي بيد الله، وليس بيد أولئك الزبائن؟
هل أحافظ على حجابي الشرعي، حتى ولو هددوني بالطرد من العمل؟
هل أتوكل على الله تعالى؟ أو أتوكل على الأسباب المادية؟
هل ثقتي واعتمادي على الله؟ أو على الواسطة أو الشهادة؟

كيف نقوّي ثقتنا بالله تعالى؟
1. الدعاء والتضرّع إلى الله تعالى ليرزقنا الدرجات العليا من الثقة به.
2. كثرة التأمل والدراسة والتفكير، في علم الله وحكمته وعدله وصفاته وأفعاله.
3. كثرة النظر والتأمل في قصص القرآني، واتخاذ العظة والعبرة، كما في القصص المذكورة آنفًا.
4. أن نتذكر كم من موقف كانت الأبواب مؤصدة أمامنا شخصيًا، ولكن الله تعالى أنقذنا من المشكلة من حيث لا نحتسب.
5. مجالسة أهل اليقين والعلم والثقة بالله تعالى.

والحمد لله ربّ العالمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى