أقلام

كل عام وأنتم بخير

د. إبراهيم المسلمي

ما إن يقرب موعد نهاية السنة الميلادية (أواخر شهر ديسمبر) حتى يظهر في العالم الإسلامي خطان متضادان في الاعتقاد والتفكير أحدهما ديني متشدد وآخر شبابي حداثي منفتح .
الأول يرى أن إقامة ‏مثل هذه الأعياد بل حتى التبريكات فيها أمر غير جائز شرعا لأن فيها تشبه بالكفار ولم يندب الشرع لإقامتها بالإضافة إلى ما يحدث فيها من أمور غير مألوفة في مجتمعاتنا مثل السهر طوال ليلة عيد الميلاد والانتظار بلهفه وشوق إلى ساعة الصفر ‏وهي الثواني التي تكون بعد الساعة الثانية عشرة من منتصف ليلة عيد الميلاد لكي تبدأ ساعة جديدة من سنة جديدة وطي آخر صفحة من السنة الماضية ويعرف ذلك من خلال إطلاق الألعاب النارية في الهواء والتصفيق عند ساعة الصفر مما يسبب إزعاجًا وضوضاء عاليين وربما يكلف الشباب المحتفل بالعيد الأموال الكثيرة التي تصرف في غير محلها لشراء مثل هذه الألعاب والتي ربما تسبب إصابات بالغة في بعض الاحتفالات ، ناهيك عن ما يصحب هذه الاحتفالات من بعض العادات المحرمة في المنظور الإسلامي من شرب المسكر والاختلاط بين الجنسين لاسيما في الدول الغربية ذات الثقافات ‏المنفتحة أما في هذه الأيام فقد وصلت فكرة الاحتفال بعيد الميلاد ورأس السنة الميلادية إلى بعض الدول الإسلامية بكل صورها لذا ينظر الطرف المتشدد دينيًا على أن الاحتفال أمر مرفوض من الناحية العقدية والشكلية مسوغين ذلك بمساوىء هذا الاحتفال من الناحية الاجتماعية والاخلاقية وحتى الاقتصادية والصحية .
أما في الكفة الأخرى فثمة طرف آخر شبابي حداثي منفتح على العالم الجديد بما فيه من محاسن ومساوئ ويقول إن الاحتفال بعيد الميلاد والاحتفاء ‏برأس السنة الميلادية ودخول سنة ميلادية جديدة هو مشاركة دول العالم هذه اللحظة الحاسمة من طي سنة حالية والدخول إلى سنة جديدة وإنهم على دينهم الإسلامي وهويتهم الإسلامية فما الضير في إقامة الاحتفال؟

وعند الوقوف بين هذين ‏التيارين المتضادين في صورة حيادية بعيداً عن التشدد المفرط أو الانفتاح بغير ضوابط نقول :
أولا : إن عيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام هو رأس السنة الميلادية وعيسى المسيح عليه السلام هو من الأنبياء الخمسة الذين هم أولو العزم وإن الاحتفال بمولده لايتعارض مع معتقد المسلمين خاصة إذا كان القصد من الاحتفاء التعرف على حياته و قصةمولده وقصة حياة أمه مريم العذراء عليها السلام ومافيها من المعجزة الإلهية وأخذ العبرة منها وهو أمر محمود ومذكور في القرآن الكريم على تفاصيل .
ثانياً :إن الاحتفال بعيد المسيح عليه السلام هو شأن ديني يخص الديانة المسيحية في الأصل ولكن تغير هذا العنوان وأصبح الاحتفال في عنوانه الكبير هو الدخول إلى سنة جديدة وطي سنة ‏ قديمة وبما أن التاريخ الميلادي هو المعتمد عالميًا في جميع الدول في كتابة التاريخ وتوثيق الأحداث و إجراءات المعاملات الدولية بل تسجيل ميلاد الأفراد بالتاريخ الميلادي بل حتى تغير الرئاسة والانتخابات في الكثير من الدول تبدأ وتنتهي بدخول عام جديد ( من أول ‏يناير ) لذا كسب هذا الحدث أهمية كبيرة لدى الأفراد والمجتمعات في جميع شعوب العالم .
ثالثاً : إن التهنئه بين الدول مع اختلاف الأديان أمر متعارف بين دول العالم وربما يكون مندوبًا في الإسلام بل فرصة إذا كان هذا التواصل يقرب بين الأديان ودعوة للتعرف على ثقافة الإسلام والدخول فيه وإن مشاركة المسلمين في هذا المولد لا يعني الاتباع والتبعية الدينية والثقافية لغير الإسلام وإن الإسلام دين عالمي حضاري يتعايش مع جميع الأديان والثقافات دون الانجراف والذوبان في المعتقدات الأخرى أما ما يحدثه هؤلاء الشباب من العادات غير الجائزة شرعًا فهو أمر مرفوض ويجب على أبناء المجتمع التصدي لها وتوعية الجيل الجديد على مساوئها وعواقبها .
‏رابعاً: من الجميل أن يستغل الكُتَاب من الشباب المثقف والخطباء والإصلاحيون الاجتماعيون هذه الفرصة الجميلة لتذكير الشباب بأنه في دخول السنة الجديدة يعني قد مضى من العمر عام وأن الله كتب لهم طول العمر ولم يقصف أعمارهم كما رحل الكثير من الأقران والأصحاب والأقارب الذين هم في ريعان شبابهم لا سيما ونحن قد مررنا بعام 2020 الذي أرعب العالم لكثرة الوفيات من جائحة كورونا.
‏خامساً : على الإنسان أن يراجع حياته فينظر ماذا قدم في العام المنصرم لنفسه وأمته ووطنه.
سادسًا : ماذا استفاد الشباب من أخطائه وأخطاء غيره في السنة الماضية وهل هو عازم على تغيير حياته الرتيبة في العام الجديد ؟.
سابعا: هل وضع الشباب خطة للعام الجديد لحياة أفضل من الناحية الاقتصادية والتعليمي والثقافية ؟
٨- ‏نقول لمن يتحسس من قول (كل عام وأنتم بخير ) أن هذا تحية ودعاء بالصحة والسلامة والأمان وكل ماتعني كلمة خير للفرد والمجتمع حتى أن المسلمين يتداولونها بينهم في الأعياد الإسلامية كعيدي الفطر والأضحى وهما ليس بداية سنة هجرية جديدة .
‏وأخيرا أقول إنه ليس من المعقول أن تمر هذه المناسبه على الخطباء والمتحدثين وهم يغفلون أو يتغافلون عن هذا الحدث العالمي الكبير وكأن الخطيب يدفن رأسه تحت التراب وكأنه ليس جزءاً من هذا العالم الذي أصبح قرية صغيرة يرى من في المشرق من في المغرب ونقول للشباب إن الاحتفال بعيد الكريسميس جائز ضمن ضوابط معينة و نقول إن الاحتفال بمولد من هو أفضل من عيسى عليه السلام وهو خاتم الأنبياء والمرسلين نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أولى وأجدر لأن في ذكرى الاحتفال بمولده عطاء غير محدود للفرد والمجتمع بل للعالم كله وهو الذي بعث رحمة للعالم وهو الرحمة المهداة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وكل عام وأنتم بخير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى