مقابلة صحفية: الحاج عبدالمحسن السلطان يسرد حكاية الدمام

img

رباب حسين النمر: الدمام

– كان طلاب الأحساء والقطيف والدمام يتوافدون جميعا على ثانوية الهفوف فهي الثانوية الوحيدة بالمنطقة الشرقية.

– من أبرز مشاريع المقاولات التي نفذتها جامع الإمام الحسين عليه السلام بالعنود.

– سجلت صبياً من قريتي العمران بالمدرسة بعد معارضة والده، والآن حصل على الدكتوراه، وتخرج من بين أولاده أطباء.

– الشيخ معتوق كبير قريتنا، هدد بترك القرية لو افتتحت مدرسة بها.

– كانت الدمام مدينة محدودة المساحة، عبارة عن أربعة كيلومترات في كيلومترين اثنين فقط.
– كان حي الجلوية سابقاً مزرعة كبيرة المساحة يمتلكها عبدالله اللويم.

– كان هناك جسر يربط بين الدمام وسيهات والقطيف، التي كان يفصل بينها البحر.

– لاحقت شرطة الإنتربول شخصاً آسيوياً هرب بأموالي إلى أمريكا.

 

الأحساء الواحة المندسة بين رمال الربع الخالي التي منحها الله عيون ماء عذب تتفجر من أرضها المباركة لتسقي حقول النخل ومزارع الأرز موطن الأجداد الذين أسسوا لحياتهم في مكان اطمئنوا فيه لعصب معيشي رئيس هو الماء!

ومع امتداد رقعة الثورات الصناعية والحضارية تبدلت معادلات الحياة، وتفجر في الأرض معدنٌ نافس الماء في أهمية وجوده، الذهب الأسود الذي تدفق في بئر الدمام، فغير التركيبة السكانية وجذب هجرات سدنة النخيل وعيون الماء.

في رحلة حرف مليئة بقصص شائقة وذكريات عذبة يصحبنا الحاج الوجيه عبد المحسن السلطان، يسرد مجريات فترة زمنية مفصلية شهدت هجرة بعض الأسر الأحسائية إلى الدمام، وإقامة نواة مجتمع جديد برؤية جديدة وظروف تختلف تماماً عن تلك التي عاشها في الأحساء مع المنافس الجديد الذي تدفق بغزارة فلفت أنظار العالم.

في الأسطر القادمة يقتحم الحكاية فارس مطهّم خرج من حقل النخيل إلى معترك تأسيس حياة جديدة وحديثة، يروي تفاصيل حكاية النفط وتأسيس بنية الدمام الحديثة، هو الحاج عبد المحسن السلطان.

  • في مفتتح الحكاية هل من بطاقة تعريفية بالحاج عبد المحسن السلطان؟

-الحاج عبد المحسن حسين أحمد السلطان
مولود عام 1351هـ بقرية العمران بالأحساء
منتسب لدراسة الحقوق في جامعة بيروت العربية دون الوصول إلى التخرج.

  • الطفولة هي النافذة الأولى التي يبصر خلالها الإنسان الحياة، وتلتقي عيناه بالنور. هي الصفحة المليئة بالشغف والذكريات الدافئة ..
    فماذا تتذكر من هذه الفترة؟ وكيف كان انعكاسها على شخصيتك؟

– قضيت خمس عشرة سنة في مسقط رأسي العمران، ولما بلغت الخامسة عشرة بدأت حياة التنقل والعمل، تركت البيت الذي فيه نشأت وترعرت، تركت والدتي وإخوتي وانطلقت للعمل في مدينة الخبر.

  • كان الانضمام إلى المدرسة في بدايات اكتشاف البترول حلم يداعب خيال اليافعين، وهدف يسعون إلى تحقيقه مع قلة المدارس وقلة تشجيع الأهالي، فكيف استطعت في هذا الجو إكمال مسيرتك التعليمية؟

– بدأت مسيرتي التعليمية قبل افتتاح المدارس والجامعات.
كانت أمي هي معلمتي الأولى التي تعلمت على يديها قراءة القرآن الكريم . كانت والدتي رحمها الله معلمة تخرجت على يديها أجيال من الأولاد ومن الفتيات. فلم يكن يُفصل بين الجنسين في التعليم الأولي.
ثم انتقلت إلى الرميلة -وهي إحدى القرى التابعة للعمران- لتعلم الكتابة وبعض مسائل الحساب آنذاك على يد الملا حسن الشقاق.
توفي والدي عندما بلغت الثامنة عشرة وذلك عام 1370هـ ففقدت بذلك سند الأبوة، بعد أن كان والدي هو ولي أمري، مع متابعة أخي الأكبر عبدالله لشؤون سفري وتواجدي، وأصبحت مسؤولاً عن نفسي مسؤولية تامة بعد وفاة والدي وأخلاء ساحة أخي عبدالله من تحمل أية مسؤولية عني وذلك من جانبي.
انتقلت إلى الخبر ومارست بعض الأعمال الحرة، وخططت أن ألتحق بوظيفة في أرامكو كونه مسوغاً قوياً لحرية تنقلي بين الدمام والأحساء، وبالفعل توظفت هناك مع الدراسة (موظف تحت التدريب)
( training )
حيث تمنح الشركة الطالب ثماني ساعات نظرية وتدريبية باليوم الواحد ومكافأة مالية.
وبعد الانتهاء من دراسة مقررات اللغة الإنجليزية في أرامكو وجال بتفكيري ضرورة الحصول على شهادة التعليم الرسمي إضافة إلى مهارات أرامكو، فالتحقت للدراسة بالسنة السادسة الابتدائية في المدرسة الحكومية حيث حصلت على شهادة المرحلة الابتدائية.
وقد درست مباشرة الصف السادس دون المرور بالصفوف السابقة لحيازتي مهارات دراسة أرامكو . فأنهيت الصف السادس.

ثم تابعت دراستي في المرحلة المتوسطة بمدينة الخبر على نظام الدراسة المسائي حيث يتم دمج السنوات الثلاث المتوسطة في سنة واحدة، وكان عدد الطلاب الملتحقين بهذا النظام كثير جداً تجاوز خمسين طالباً، ووفقت، حيث كنت ضمن القلة التي استطاعت اجتياز الاختبار المكثف الذي يختزل السنوات الثلاث، حيث بلغوا أربعة أو خمسة طلاب نظرا لصعوبة الدراسة بهذه الكيفية.
وبعد حصولي على الشهادة المتوسطة تقدمت بطلب توظيف ليلي إلى شركة أرامكو حتى أتمكن صباحاً من متابعة دراستي بالمرحلة الثانوية، حيث التحقت للدراسة بالمدرسة الثانوية الأولى التي تم افتتاحها بالدمام، وكانت هي الثانوية الوحيدة التي يدرس فيها طلاب الدمام والقطيف، وقبل ذلك كان طلاب الأحساء والقطيف والدمام يتوافدون جميعا على ثانوية الهفوف للدراسة حيث كانت هي الثانوية الوحيدة بالمنطقة الشرقية.
ثم تحول طلاب الدمام والقطيف للدراسة إلى الدمام بعد افتتاح الثانوية، وهي الثانوية الشاملة حالياً.
درست أعوام الثانوية الثلاثة في هذه المدرسة مع زملائي من الدمام والقطيف حيث كنت أدرس صباحاً بالمدرسة وأعمل مساء في شركة أرامكو.
وكانت هذه المرحلة في حياتي شاقةً جداً حيث كنت حينها متزوجاً ومسؤولاً ولم أكن أجد وقتاً أتناول فيه طعامي، فقد كنت أشتري ساندوتشا من الكافتيريا وأتناوله في طريق الذهاب إلى العمل، وأعود من العمل عند الحادية عشرة مساء، وأغفو في الحافلة قليلاً ريثما أصل إلى البيت وأنام.
وهكذا أنهيت الثانوية.
بعدها قررت الالتحاق بالدراسة الجامعية في بيروت على حسابي الخاص، وطلبت من أرامكو ترقية وحاولت إقناعي بالتدريب ثم بالبعثة بعد التدريب إلى الخارج وتعييني مسؤولاً ذا رتبة ممتازة، ولكن كان لدي في ذلك الوقت طموحات مختلفة عن هذا التخطيط فقررت الدراسة على حسابي الخاص حيث كنت دراسة الحقوق وهذا الحقل لا تدعمه أرامكو. وفي جامعة بيروت العربية درست سنتين، ثم ازدحمت عليّ مسؤوليات العمل والأسرة فأثقلت علي ولم أستطع المواصلة.

  • شققت درباً محفوفاً بالصعاب في طريق التحصيل الدراسي، فكيف اجتزت الصعوبات ومهدت الطريق لغيرك كي يشقه إلى طلب العلم؟

– واجهت صعوبة في الالتحاق بأرامكو داخل البلد وخارجها، ولكنني واجهتها بقوة الإرادة وقوة العزم وكانت الدراسة هوايتي وكنت أقوم بتشجيع الآخرين ودفعهم للتعليم. لم تكن هناك مدرسة بالعمران وقت دراستي في أرامكو، وقد قرر الشيخ معتوق وهو كبير القرية آنذاك أن يترك القرية لو تم فتح مدرسة فيها لأنه لم يكن يؤمن بالتعليم النظامي، لذلك قمت بإقناع موظفي أرامكو من قرية العمران الذين لديهم أطفال أن يسكنوا مع عوائلهم في بقيق بمقر سكنهم في أرامكوا حتى يلتحق الأطفال بالمدارس. ومن ضمنهم عبدالله حجي السلطان الذي كان والده يعارض التحاقه بالمدرسة بسبب رأي خاله الشيخ معتوق، فانتُدبت لمناقشة والده وإقناعه فحاورته حول مستقبل ولده وما إذا كان يتمنى أن يكون ابنه موظفاً بموقع مدرس أو بموقع فرّاش، فما كان منه إلا أن دفعه إليّ فأخذت بيده واصطحبته إلى المدرسة وقمت بتسجيله، وقد اتقد طموحه، وتخرّج بعض أبنائه أطباء، و الآن حصل على درجة الدكتوراه، وأمثاله كثر من الأولاد الذين شجعتهم على طلب العلم والتعليم.

  • الانتقال إلى الدمام ظاهرة اجتماعية برزت لدى أهالي الأحساء في فترة ما، فما هي قصة انتقالك إلى الدمام؟

– عندما كنت أعمل في أرامكو اضطررت للإقامة في الخبر عدة أعوام لقربها المكاني وسهولة الوصول منها إلى مقر عملي، وفي الوقت ذاته كان لي تواصل بمجتمع الدمام الأحسائي آنذاك ولا سيما في المناسبات، وهذا ما جعلني أصبح جزءاً من ذلك المجتمع.
ولما اتخذت قراراً بفتح مشروع تجاري بالدمام انتقلت إليها فهي عاصمة المنطقة الشرقية التي تفتح أمام المرء آفاقاً واسعة لممارسة الأعمال الحرة، إضافة إلى ما يتمتع به جوها الاجتماعي العام من الحميمية والألفة والتكاتف مقارنة بالخبر.
وكان انتقالي للعيش في الدمام سلساً للغاية حيث كانت عائلتي تسكن معي، أما علاقتي بالأحساء مسقط رأسي فقد تبرمجت بعطلة نهاية الأسبوع.

  • صف لنا مدينة الدمام في أيام انتقالك الأولى إليها.

– كانت الدمام في ذلك الوقت مدينة بالغة الصغر ومحدودة المساحة، فقد كانت عبارة عن أربعة كيلومترات في كيلومترين اثنين فقط، تقع الإمارة المطلة على البحر في الجهة الشمالية، التي تحولت إلى شارع الملك عبد العزيز حالياً، ويقع شارع الخزان في الجهة الغربية، وشارع الدواسر في الجهة الشرقية وهو مركز التخطيط بشارع الجوازات حالياً أو محطة البلدية، وهناك كانت محطة القطار.
ويحدها من الجنوب شارع الملك سعود.

وكان حي العدامة يُعد منطقة برية خارج حدود مدينة الدمام آنذاك، فعندما تم بناء الجامع هناك وافتتحت دكاكين التجار استصعب العمال الإقامة هناك .
كانت المباني بسيطة بالدمام ، وكان ارتفاع أعلى بناية بها لا يتجاوز ثلاثة الطوابق أو أربعة الطوابق مثل عمارة السيهاتي بشارع الناصر وكانت بناؤها عربي.

  • هل كنت من الرعيل الأول الذين هاجروا من الأحساء إلى الدمام؟

– أول سكان الدمام النازحين من أهالي الأحساء هم جماعة الصاغة، وجماعة تجار الأقمشة. وسكن الصاغة ومعظمهم من عائلة النمر، سكنوا حي الشعيبة الذي يقع حالياً بجانب مكتب العمل والعمال، وهناك شيدوا بيتاً للسيد علي السلمان ليقيم فيه عندما قدم من العراق.
وكثير من تجار الأقمشة مثل آل بو صالح سكنوا بما يسمى حالياً بـ(سوق الحب).
ثم بدأ الناس بالانتقال إلى حي بورشيد والجلوية، فمن مشاريع الدولة في ذلك الوقت كان توسعة مدينة الدمام، وكان حي الجلوية سابقاً مزرعة كبيرة المساحة يمتلكها عبدالله اللويم، وتنبع في أرضها أربع عيون ماء ارتوازية، ولا يستطيع أحد أن يقطعها ويتجول في ربوعها وأنحائها إلا بالسيارة، فاشترت الحكومة أولاً مزرعة بورشيد التي يمتلكها الوزير الرشيد، فخططتها حيّاً سكنياً يضم بيوت عديدة.
ثم اشترت الجلوية، وكان هذا بداية توسع مدينة الدمام التي ازدادت اتساعاً حينما أخذ التوسع شكلاً آخر وهو ردم مساحات من البحر وتحويلها إلى أحياء سكنية مثل حي العنود.
وكانت المناطق الواقعة بين الدمام وسيهات والقطيف كلها مناطق بحرية يجري فيها الماء وكان هناك جسر يتم التنقل عبره بين هذه المناطق، ومع مشاريع الدفن البحري تحولت إلى يابسة عامرة بالشوارع.
أما أنا فلم أكن ضمن الرعيل الأول، بل قدمت إلى الدمام وقد تأسست فيها نواة للمجتمع.

  • كيف تم التمهيد لشق طريق الحياة في الدمام، وإقامة الأحسائيون هناك؟

– بدأ تجار العقار يؤسسون للمخططات السكنية في الدمام وأشهرهم: حسن النمر، وحسين النمر، ومبارك الأمير، فقاموا بافتتاح مكاتب عقارية بالدمام مثل مكتب الشرق، ومكتب الخليج.
وقد تأسس مكتب الشرق على عاتق عشرة أشخاص، وكان حسين النمر هو أكثر الأشخاص العشرة نشاطاً وحركة.
أما في مكتب الخليج فقد كان الشخص الأبرز هو أحمد بن علي المسلم (بوشكري).
ثم اندمج المكتبان معاً.
كانت هذه المكاتب تؤسس لمخططات الأحياء.
وكان الحاج حسن النمر(بومحمد) لوحده يؤسس لمخططات جديدة مثل مخطط النمر، ومخطط الكوثر بسيهات الذي كان بحراً وقام حسن النمر بتحويله إلى حي سكني بالردم.

 

  • من هم الرفقة الذين شاطروك بداية الحياة في الدمام، وما الجهود التي، بذلوها لتعزيز الإقامة؟
    -تأسس مجتمع الدمام على عاتق عدة عوائل حيث أسسنا مجلساً أطلقنا عليه اسم (مجلس عوائل الدمام) وكان على رأس هرم المؤسسين السيد علي بن السيد ناصر السلمان والحاج حسن النمر وأحمد النمر (بوعبد اللطيف) وكثيرون غيرهم مثل السيد عدنان الشخص، ومن الجدير بالذكر أن هذا المجلس قد تم تسجيله رسمياً بالإمارة.
    وقد توفي الآن معظم مؤسسيه ولذلك تبخر مثلما تتبخر في الحياة أشياؤنا الجميلة.

 

  • ما هي الدوافع والمغريات التي حفزت في نفوس الأحسائيين ترك ديارهم والاستقرار بمدينة الدمام؟

– كانت العاصمة الفعلية لمحافظة المنطقة الشرقية هي الهفوف، ولكن مع تأسيس مدينة الدمام انتقلت إمارة المنطقة إليها فأصبحت هي العاصمة، وهي مقر التجارة، فوجد الأحسائيون أن مستقبل الأعمال التجارية في الدمام أفضل منها في الأحساء آنذاك.
فهاجروا إلى الدمام رغبة منهم بالتوسع في الأعمال والأنشطة التجارية، وقد ساعد وجود ميناء ومطار بالدمام على دعم الحركة التجارية وتعزيزها، وسرعة دورانها.
كانت تلك الأسباب دافعاً للأحسائيين إلى ترك ديارهم وديار آبائهم وأجدادهم بالأحساء والسكن بالدمام وتأسيس مجتمع جديد هناك.
وواقع الحال الآن أن الدمام لم تعد أفضل من الأحساء على مستوى النمو التجاري والاقتصادي.

  • ما هي أبرز الإنجازات التأسيسية التي اشتغلتم عليها في حقبةالدمام وما قبل حقبة الدمام ؟

– توزعت منجزاتي في الحياة مكانياً بين مدينتي الأحساء والدمام.
ففي الأحساء وبالتحديد في قرية المنصورة كنت ضمن مؤسسي جمعية المنصورة، وكنت ضمن مجلسها الإداري لأحد عشر عاماً، ثم غادرت المجلس الإداري لحاجته إلى إدارة شابّة جديدة تضخ في شريان وجوده دماءً جديدة.

وقد عملت على افتتاح نادٍ رياضي في المنصورة ولكنني لم أوفق في ذلك.

ومن المشاريع التي سعيت إلى تأسيسها افتتاح مدارس للبنات بالمنصورة.

أما في الدمام فقد كنت ضمن مؤسسي جمعية الدمام الخيرية وهي فرع عن جمعية سيهات الخيرية، وقد واجهنا بعض الصعوبات في تأسيس هذه الجمعية.

ومن أبرز الإنجازات التأسيسية كان مجلس عوائل الدمام هو أبرز الإنجازات التأسيسية في مدينة الدمام، وبجانبه تشييد جامع الإمام الحسين الذي جمع الناس في مجتمعنا، وقد كنت المقاول الذي باشر في بناء المسجد، وكان الممولون هم السيد علي السلمان، وحسن النمر بو محمد، وعبدالله المطرود.
كان مشروع المسجد مسجلاً باسم عبدالله المطرود فهو الذي ساهم في تأسيسه واستخرج تراخيص البناء.

  • معترك العمل والحياة يحمل في طياته ذكريات خالدة ودروس عبرة، فماذا تحمل في جعبتك من ذكريات تخص مؤسسة المقاولات وما بعدها من مؤسسات؟

– امتدت مدة مكوثي في أرامكو من سنة 1951م حتى عام 1977م أي حوالى 24عاماً، وقبل أن أستقيل من أرامكو افتتحت مكتباً جمركياً، وكنت أتابع عمله وأنا على رأس العمل بأرامكو. وكنت أول أحسائي يقوم بفتح مكتب للتخليص الجمركي.
وفي عام1391هـ افتتحت مؤسسة المقاولات تزامنا مع افتتاح مكتب الشرق الذي كان من مؤسسيه الحاج المرحوم علي النمر والحاج المرحوم أحمد النمر بوعبد اللطيف. وكان مكتبي في شارع الظهران مقابل البنك البريطاني، حيث زارني حينها حسين الصغيرات وعرض علي مشاركتهم بالعقارات، فبينت له بأني لا أمتلك مالاً للشراكة، فقال بأنه لا يريد مالاً فقط يريد المشاركة، ولكن بشرط مد الشراكة إلى مؤسسة المقاولات فرفضت ذلك، وشاء الله أن يوفقهم ويرزقهم أرزاقاً واسعة، تذوب بجانبها مكاسب مؤسسة المقاولات، ولو كنت أعلم أين الخير لاستكثرت منه، ولله الحكمة.
ثم فتحت محل نجارة، ومحل قطع غيار سيارات حيث شاركت شخصاً يمنياً كان يغش في التجارة فانفصلت عنه عندما أصر على هذه الطريقة في العمل.

كان أبرز مشاريع مؤسسة المقاولات بناء جامع الإمام الحسين بالعنود، لأن هذا المسجد الذي عرض لمنافسة المقاولين بعد أن استخرج عبدالله المطرود رخصة بنائه الرسمية، وكان منافسي هو عبدالله اللويم، حيث وضعنا نحن الاثنين أسعارنا، واختارني السيد علي لمباشرة بناء المشروع، وابتدأنا البناء وأصابتنا الخسارة، حيث وصلنا لصب سقف البناء وأشار السيد هنا لبدء مباشرة الصلاة فيه قبل الإكمال، فكنا نصلي فيه والأخشاب مطروحة، وفي هذا التوقف خسارة مالية تحملتها.

أما مؤسسة لابوماتيك للأجهزة الطبية فتتلخص قصتها في أن شخصاً هندياً بعثه إليّ السيد محمد الموسوي اسمه تقدير الحسن، فقال إن لديه فكرة بيع الأجهزة الطبية وشرحها لي، فأعجبتني هذه الفكرة فاندفعت لتنفيذها ووعدته بمنتصف الأرباح، وقد كنت أضخ له الأموال وهو يعمل دون إجراء حسابات، بعد سنة عينت محاسباً مصرياً فنفر منه تقدير ولما تساءلت عن السبب وعرضت عليه عدة خيارات لإجراء عملية المحاسبة، ولما وجد نفسه محاصراً أخبرني أنه سيزور الهند عشرة أيام ثم يعود لإجراء المحاسبة، وكان قد اشترى له شقة وسيارة، وعندما ذهب إلى الهند وجدت الشقة فارغة من الأثاث فآدركت بأنه هرب، ولما دققنا في الحساب وجدنا بأنه استولى على كل الأموال التي كنت أضخها، وقدمت عليه شكوى في وزارة الداخلية. وبعد فترة من الزمن وصلني خبر عودته إلى الخليج، وبأنه فتح مكتباً في دبي بأموالي، وهنا كتبت رسالة شديدة اللهجة أناشد فيها الوزارة محاسبته كوننا نحن والإمارات دولة واحدة وأنا أطالب بحقي من هذا الشخص وأن يتم إحضاره من الإمارات، وتمكن تقدير من الهرب عندما شعر بخطر ملاحقته، فوضعته شرطة دبي في قائمة الإنتربول، وبعد مدة من الزمن كان مسافراً من أمريكا إلى دولة شرق آسيوية، وعبر من دبي فألقي عليه القبض واتصل علي السيد محمد الموسوي يستعطفني لفكه، وطالت القضية وعاتبت السيد الموسوي واكتشف خداعه عندها، فسافرت إلى دبي ودخلت عليه في السجن، وجاءت زوجته من أمريكا، ووكل كلا الطرفين محامياً وكسبت القضية وعاد إلي شيئا من نقودي.

*ماذا يعني لك:

*المنجل
-تذكرني هذه الآلة الحديدية التي تهذب النخلة فتقطع (الكرب) وترتب جذع النخلة فتجعلها تبدو مثل حسناء مشطت شعرها ورتبت جدائلها. يذكرني المنجل بالشيخ محمد العوامي الذي جلب لنخيله (بطّاطين) من الأحساء ليشذبوا نخيله، ولكنه ندم بعد أن تمت عملية التشذيب، وعبس قائلاً: (كانت أحلى بدون بط )

* النخلة؟
– هي أمّنا وكأنما بينها وبين الإنسان رابطة ولا سيما النخلة التي تعيش في حديقة المنزل أو بهوه، فهي غالباً ما تزدهر لأنها تألف أهل الدار وهم يألفونها.

* المنصورة؟
– أنا من مؤسسي المنصورة، على عواتقنا تم تخطيطها، وكنت أكثر من دعا إلى هذا التخطيط وساهم فيه، وقد لبى الآخرون دعوتنا.

*شركة أرامكو؟

-يقترن تاريخ ولادة النفط وميلاد شركة أرامكو بتاريخ ولادتي.
يحكي لي الحاج حسين الحمود كبير العائلة الذي كان يعمل سابقاً في بترول البحرين، ثم انتشر خبر تدفق النفط في بئر الظهران مما أدى إلى انتقالهم للعمل من البحرين إلى الظهران وتعيينهم موظفين في شركة أرامكو، وكان رقمه هو 777.
أخبرني حجي حسين أنه لما قدم إلى الظهران وصلته بشارتين:
بشارة ميلادي، وميلاد ابنه البكر علي ( بو نوح)
ولذلك كانت ولادتي مع ولادة النفط في المملكة.

* السيد علي السلمان؟
-هو أخي الذي لم تلده أمي، وقد كانت علاقتي به قوية جداً منذ أن سكن الدمام، كنا -كما يقال- على قلب واحد وكنا نحسن إدارة اختلاف وجهات النظر فيما بيننا ( فالاختلاف لا يفسد للود قضية).

*صاغة الدمام؟

– هم الأعمدة التي قام المجتمع في الدمام على أكتاف جهودهم، هم مع عوائل عديدة من الأحساء.

  • ما هي العوامل التي تلزم لتأسيس أي مجتمع وتكفل بقائه واستمراره؟

-أركان مجتمع ناجح التواد والتكاتف.

  • الدمام بين الأمس واليوم..
    مارؤاك حولها؟ وكيف تنظر إلى مستقبلها؟

– عشت في مدينة الدمام أعواماً من العمر امتدت إلى ستين عاماً، شهدت الدمام خلالها سلسلة من التطورات العمرانية والتجارية، وتطورت مختلف أنشطتها، ومن تلك التطورات التمدد العمراني الذي ذكرناه آنفاً.
ولم أكن من أوائل الناس الذين هاجروا من الأحساء إلى الدمام، فقد سكنتها قبل قدومي إليها عوائل عديدة، مثل: النمر والخليفة والبوصالح.

وواقع الدمام اليوم حتماً أفضل منها في بداية التأسيس، وما تشهده من نهضة عمرانية واقتصادية وجمالية، وما يزينها من المشاريع الشابة،
وهي تسير نحو مستقبل مشرق دون شك بإذن الله.

  • إذا ما وضعت الأحساء قبالة الدمام فكفة أيهما ترجح في قلبك ولماذا؟

– لا أستطيع ترجيح كفة على أخرى فأنا تماماً مثل الرجل المقترن بزوجتين عزيزتين كلتيهما على قلبه ولا يفرق بينهما، فحب الدمام والأحساء متساوٍ في قلبي.

  • هل ثمة حنين يشدك إلى الأرض التي أنجبتك ويفجر في نفسك مشاعر جياشة؟
    حدثنا عن هذا الجانب

– لا بد أن يستيقظ الحنين لمسقط الرأس ومحضن الطفولة. أنا أحسائي وسأبقى أحسائياً.
لدي قطعة أرض (نخل) في الأحساء ، وتدور بخلدي فكرة تحويله إلى ( استراحة) تجمع شتات الأبناء والبنات والأحفاد أيام الجمعات.
اقترح عليّ ولدي(حسين) شراء مزرعة في الدمام وتشييد الاستراحة هناك، لأن الأبناء لا ( ينزلون) إلى الأحساء.
ولكنني أقول: أنا أحسائي ولن أترك الأحساء حتى الرمق الأخير.
أنا كنخلة ساقها في الدمام وجذورها في الأحساء، ولذلك سأمضي في مشروعي الذي أحلم به.

* ما الفرق بين مجتمع الأحساء ومجتمع الدمام؟

– يمتاز مجتمع الأحساء بأنه عائلي التكوين، فكل مجموعة سواء كانت في المدن أو القرى تربطها ببعضها البعض روابط القرابة والنسب.
ولكن في مجتمع الدمام تجد العوائل كلها مندمجة مع بعضها البعض كما يقول المثل المعروف: رب أخ لك لم تلده أمك.
فقد انصهرت العوائل في الدمام ببوتقة واحدة والجميع أصبحوا إخوة متحابين ومتعارفين ومتكاتفين، يحيون معاً عيشة طيبة، كلها مودة ومحبة.

 

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

3 تعليق على “مقابلة صحفية: الحاج عبدالمحسن السلطان يسرد حكاية الدمام”

  1. سلم القلم المبدعة رباب حوار شيق وممتع شدني جداً مليئ بالذكريات ويوثق لتاريخ واحداث معاصرة للعوائل الاحسائية التي سكنت الدمام وساهمت في دفع عجلة التقدم التجارية والاقتصادية ومازالت لمنطقة غالية من الوطن الدمام فالف شكر لقلمك ولضيفك الكريم وروحه الخيرة المعطاءة

  2. عمران الرمضان

    مقال رائع و جميل …يؤرخ تاريخ نشأت مدينة الدمام و قدوم الأسر الاحسائية اليها .. و في الحقيقة القارئ لهذا الحوار يستلهم العصامية من الحاج الوجيه عبدالمحسن السلطان حفظه الله ..فشكرا للكاتبة رباب النمر على هذا الحوار ..

  3. بو محمد البحراني

    ما شاء الله, مقابلة استقصائية شاملة, سوف تكون مصدرا في قادم الأيام لمن يؤرخ لمدينة الدمام. وشخصيا, اعتقد بأن لدى الحاج عبدالمحسن السلطان (ابو الشيخ) الكثير. فهو مخضرم, حيث عاصر القديم والحديث. ويعتبر من (صناع التاريخ) في الأحساء والدمام.
    وافر الشكر لأستاذة رباب حسين النمر.