الدور الفعلي للمنظمات في تحقيق المسؤولية الاجتماعية

img
ميثم المسكين
0 الوسوم:, ,

ميثم المسكين

ماهو دور المنظمات (الشركات والمؤسسات) تجاه المجتمع؟ هل هو المساهمة في سباق جري أو رعاية بطولة رياضية أو مخيم إفطار له منفعه ملموسه وذات مدى طويل تجاه المجتمع؟
من ناحية أخرى، هل يمكن النظر للمنظمات على أنها كيان ربحي رأس مالي ولها بالتالي الحق في أن تسعى لربحها بشكل منعزل عن المجتمع؟ ماذا لو كانت المنظمات تساهم في المشاريع الخيرية ولكن في المقابل هي إحدى أسباب البطالة وما يتبعها من آثار سلبية، هل المساهمات الخيرية أوبمسمى آخر التبرعات تكفي؟ هل دور المنظمات هو المساهمة في بناء مجتمع أم التبرع ببعض الريالات؟
قبل عدة أعوام تطرق الدكتور عامر الحسيني في جريدة الاقتصادية لأبعاد المساهمة الاجتماعية للمنظمات وكيف إنها لا تقتصر على التبرعات الخيرية حيث ذكر في مقاله:
” وبين مفهوم العمل الخيري Philanthropic work. يشير Carroll – 1991 إلى أن العمل الخيري يعد في أعلى هرم المسؤولية الاجتماعية للشركات. لكن كثيراً من الكتاب يخالفونه الرأي في قضية التداخل بين المصطلحات، وأن الأمرين يختلفان في المضمون ويتفقان في الشكليات الظاهرة، وأن كثيراً من المجتمعات، ولا سيما الشركات يستخدمون المصطلحين بشكل تبادلي. أعتقد أن الرؤية الآن أصبحت أكثر وضوحاً في أن مصطلح المسؤولية الاجتماعية للشركات يعد جزءاً من العمل الخيري، ولكن هل يصح أن نطلق العكس؟ هذا ما سنصل إليه بنهاية هذا المقال.

في عالم المال والأعمال توجد نظرية أسمها Corporate Social Responsibility CSR وتعني المسؤولية الاجتماعية للمنظمات تجاه المجتمع، ولتحقيق المسؤولية الاجتماعية لابد أن يكون للمنظمة دور حقيقي وملموس في بناء المجتمع، بمعنى آخر التبرعات الخيرية والمساهمات المادية لرعاية محفل رياضي اجتماعي ثقافي إلى آخره هو جزء بسيط من المسؤولية الاجتماعية ولا يشكل خطوة ذات قيمة عالية تجاه المجتمع. فعلى سبيل المثال لو افترضنا أن إحدى المنظمات ساهمت في سباق للجري، أو مخيم إفطار رمضاني، وغيرها من الأمثلة، ما أثرها فعلياً إن كانت المنظمة لا تعطي أجوراً تتواكب مع تكلفة المعيشة، أو تفتقر لسياسة تضمن الاستقرار الوظيفي، أو أنها لا توفر فرص وظيفية لأبناء المجتمع. من خلال هذه الأمثلة تصبح المنظمة غير مساهمة في بناء المجتمع بل هي إحدى عوامل البطالة وضعف الحياة المعيشية حتى وإن ساهمت مادياً في أي محفل اجتماعي.

من أوائل التعريفات التي أطلقت علي مصطلح CSR ما كتب عام 1975م كتب بواسطة Elias & Epstein، حيث عرف CSR بأنها ”الإفصاح عن بعض أعمال المؤسسة، فيما يتعلق بالأنشطة الاجتماعية من ناحية أدائها أو تأثيرها في المجتمع”. وفي هذا التعريف نرى دعوة إلى الشفافية فيما بين الشركات والمجتمع الذي تمارس أعمالها فيه، فمن حق المجتمع التعرف على ما تقدمه الشركة من خدمات اجتماعية، كما أن من حقه التعرف على الأثر الإيجابي أو السلبي الذي يحدث بسبب وجود الشركة.

وحيث إن الإفصاح الوسيلة الوحيدة للتواصل بين الشركة ومحيطها الخارجي، فقد عرف Gray في عام 1996م ومحيطها CSR من خلال وجهة النظر المتعلقة بالإفصاح بالتالي: ”عملية التواصل فيما يتعلق بالأثر الاجتماعي والبيئي الناتج من الأعمال التجارية للمنظمة، للمجموعات المهتمة على وجه الخصوص وللمجتمع بشكل عام. وفي هذا تثبيت لمفهوم المساءلة للشركات وإدارتها، الذي يتجاوز المسؤولية في تقديم التقارير المالية لملاك الشركة ومساهميها. وهذا المفهوم يقوم على أساس أن للشركات مسؤوليات تتجاوز تعظيم الأرباح للملاك”. نجد في هذا التعريف توظيفاً لمفاهيم الإفصاح والمسؤولية والمساءلة في علاقات الشركة بالمجتمع المحيط بها.

وحيث إن الإفصاح، يعد من ضمن أهم الوظائف المحاسبية لعلم المحاسبة، فقد ربط مصطلح CSR بمصطلح المحاسبة الاجتماعية Social Accounting، التي تعنى بالتواصل مع الفئات الخارجية وغير المستفيدة مباشرة من النتائج المالية للشركات، ليكون الهدف كما عرفه Mathews & Perera في عام 1995م : ”توسيع الإفصاح ليشمل موضوعات غير تقليدية في مجال الإفصاح، مثل تقديم المعلومات عن التوظيف، والمنتجات، والخدمات الاجتماعية والبيئة التي تقدمها الشركة وليست من ضمن أنشطتها الرئيسة”. وهذا التعريف قد يوطئ لتعريف آخر يأخذ من الوظائف الإدارية الأساس لتقديم CSR وهو التعريف الذي قدمته المنظمة الأمريكية المختصة في مجال المسؤولية الاجتماعية، التي أشارت إلى أنها ”القرار الإداري المرتبط بالقيم والأخلاقيات، والملتزم بالقوانين والتشريعات، الذي يحترم الإنسان، والمجتمع والبيئة المحيطة”. فمع اختلاف المدارس أو الاختصاصات إلا أننا نجد توافقاً كبيراً في أساسيات المفهوم، الذي ينطلق من تطبيق جيد لمفاهيم حوكمة الشركات، كما أشار إليه في المنتدى الاقتصادي العالمي، والمنتدى العالمي لقادة الأعمال في 2002. في واحد من أكثر التعريفات إجمالاً لموضوع المسؤولية الاجتماعية للشركات، تقول Jupiter Asset Management: ”إدارة وتشغيل الشركة بطريقة مسؤولة بهدف تعظيم الأثر الإيجابي وتقليل أي تأثير سلبي في البيئة، والمجتمع والاقتصاد الوطني”.

وهذا يعد من أكثر التعريفات إيضاحاً لمهام المسؤولية الاجتماعية للشركات التي تتطلب أن تكون الشركة عضواً نافعاً للمجتمع المحيط. وهذا ما أطلقت عليه جمعية المسؤولية الاجتماعية للشركات في الاتحاد الأوروبي ”توظيف المسائل الاجتماعية والبيئة مع أنشطة الشركة في التواصل مع الجهات المستفيدة من منطلق غير إلزامي للشركات” من خلال توضيح أبعاد المسؤولية الإجتماعية للمنظمات تجاه المجتمع سأتطرق لجانب ذو بعد اجتماعي وتنظيمي من خلال هذه التساؤلات، لو فرضنا بأن إحدى المنظمات استغنت عن خدمات أحد الموظفين وأنهت عقده بشكل نظامي، ما يعني بناءً على نظام العمل حيث تم دفع جميع مستحقاته بالكامل ولكن السبب الباطن لفصل الموظف يعود لخلاف شخصي، أو مزاجية صانع القرار، أو من أجل توظيف شخص آخر ربما صديق أو قريب أو ربما بهدف تقليل المصاريف من خلال توظيف عاطل عن العمل ظروفه المعيشية تجبره على القبول بأجرٍ متدنٍ أو ربما لتوظيف أجنبي بدلاً من المواطن. هل دفع المستحقات المالية يكفي؟ ماهو الأثر المادي والنفسي والأسري والإجتماعي جراء فصل الموظف عن وظيفته؟ هل حزمة من الريالات تكفي؟ هل هذه مساهمة اجتماعية (والله عطيناه حقوقه)؟ مانفع مساهمة المنظمة في سباق الجري ومخيم الإفطار الرمضاني في ضل وجود بطالة؟

ما تطرقت إليه ليس استنقاصاً لنظام العمل، وليس إجباراً للمنظمات لإبقاء الموظفين إلى الأبد. ما أريد أن أشير إليه هو أهمية خلق آلية تحد من فصل الموظف بسبب الشخصنة أو المزاجية أو بهدف المحافظة على هامش أرباح. أن يؤمن القانون حصول الموظف على تعويض أو مكافئة مالية لا يكفي، ولتحقيق ذلك أقترح أن يتم خلق بوابة إلكترونية تتضمن عدة أسئلة موجهه للطرفين (رب العمل و الموظف الذي قررت المنظمة الاستغناء عن خدماته)، هذه البوابة ليست الفيصل في استمرار الموظف أم بقائه بل لشفافية أكثر حول سبب الفصل. ومن جملة الأسئلة:

ماهو السبب الرئيس في الاستغناء عن خدمات الموظف؟ هل السبب ضعف أداء الموظف؟

إن كانت الإجابة نعم، هل قدمت المنظمة التدريب اللازم لرفع الأداء؟

هل السبب الرئيس للفصل مرتبط بالوضع المالي للشركة، إن كانت الإجابة بنعم يرجى إرفاق تقرير مالي من إحدى مكاتب الاستشارات المالية المعتمدة.

هل ستلجأ المنظمة لتوظيف شخص آخر إن كانت الإجابة نعم يرجى التوضيح متى ومن هو الشخص الآخر وسبب الأختيار كما يرجى توضيح أسماء المدراء والمسؤولين في المنظمة. أيضاً هل الأجر الشهري والحوافز ستبقى على ماهي عليه أم ستتغير.

إضافة إلى عدة أسئلة أخرى توجه للموظف.

هذه الممارسة تكشف نوايا المنظمات وستساهم في تقليص البطالة فالمكاشفة والشفافية من شأنها أن تخضع المنظمات لتقليل الاستغناء عن الموظفين حتى تتجنب المسائلات في ظل الشفافية في التعامل مع ملف تسريح الموظفين من قبل الجهات المسؤولة. لنكن فعلاً مساهمين في بناء المجتمع فكلنا مسؤولون.

اترك رداً