أقلام

العلاقات الإنسانية وأثرها على المجتمع المعاصر

أحمد الخرمدي

أن التعامل الإيجابي مع الناس، وفهمهم للأخر من العوامل الناجحة في العلاقات الإنسانية، فلا يمكن لأي شخص في أي مجتمع كبر أم صغر، أن يعرف طباع أخيه الأنسان وأخلاقه ونواياه الحسنة أو السيئة، وصدق مشاعره أو زيفها إلا بعد التعرف عليه والمعايشة القريبة بحدود وقتها ومنهجها المتعارف عليه.

فالعلاقات الإنسانية تكون جميلة وطيبة، عندما يدرك الإنسان الطريق والأسلوب الناجح لكسب قلوب الأخرين وثقتهم، وهي الكنز الذي لا يستغنى عنه لمن لديه القدرة على أن تكون علاقته الإنسانية مع الناس، علاقة متينة ويتمتع بروح عالية في التعامل لتوطيد العلاقة وحسن المعاشرة، التي من أهم بنودها المحببة مراعاة الظروف الخاصة لكل أنسان وخصوصياته، أو لأي مجتمع نتعامل معه بتعدد ثقافته ومكوناته، وتقبلنا النقد والمصارحة والتعامل السليم المتبادل والدائم.

فالعلاقات الإنسانية ليست مجرد كلمات رنانة من هنا وهناك، ولا مجرد حزمة مجاملات تقال للأخرين، ولا هي مما تسمى بالأبر المسكنة، وإنما العلاقات الإنسانية علاقة وطيدة، يجب أن يسودها الصدق والصراحة، وعلاقة متبادلة بين الأطراف قائمة على الآخذ والعطاء والجد والاحترام، وفيها أرقى التفاهم والصفاء، وكلما زاد الأهتمام بتلك العلاقة زاد معها الحب والعطف والود والحنان كما الوفاء، وكذا التحمل والصبر وبذات القدرة والمكانة من الطرف الآخر للأخر.

فمتى وعى وأدرك الناس في شتى المجتمعات الإنسانية أن من يعيشون معهم هم أرواح وأنفس وعقول متنوعة، لهم أفكارهم وقيمهم ومشاعرهم الثابتة التي لا يمكن السماح المساس أو العبث بها لحرمتها شرعًا وقانونًا، ومتى وجد الإنسان أينما كان، وملك الانفتاح الراسخ وقبول التعددية في المعتقدات والتقاليد والعادات، ومرونة التعامل والإيمان المطلق بين الأطراف، والتصديق الروحي والوجداني، في صعوبة تغيير ما هو ثابت وراسخ عند الآخر من معتقد أو عادة، عندها يوجد الإقتناع، وأن لا يكون العطاء بدافع المصلحة الذاتية المادية منها أو المعنوية، أو من أجل اكتساب السمعة والشهرة، وحتى لا يكون سلبيًا ومنبوذًا، حيث أنه قد يمكن أن يحدث الاستغناء عن ذلك الصنف من العلاقات في أي وقت وتحت أي ظرف.

لا يمكن أن نستسلم لليأس، فأية علاقة حتى وإن كانت جميلة ثم اختفت من حياتنا، لتكون لنا أكثر قوة وأكثر عمقًا وأصرارًا بالارتباط بعلاقات جديدة مع الآخرين، فيها تطلعات كبيرة من الأمل والرجاء مع الحيطة في التعامل بمسافة القبول المناسب، وعدم تكرار الأخطاء السابقة.

فالعلاقات الأنسانية في مجملها الوصفي والتكويني، يأتي منها الحميد والحسن كما يأتي منها السيء والجائر، فمن الكوارث أن يلجأ البعض من داخل المجتمع الواحد إلى أن يصيب عنوة فئة أو مجموعة من مجتمعه ببعض المحن والجور والعقد الحياتية، بصنع صورة معاكسة تمامًا للفطرة الإنسانية والحياة البشرية السوية التي فطر الله سبحانه عليها الخلق، وذلك من خلال زاوية الإقصاء والسيطرة على تفكير الأخرين، لكي تُكرس العديد من السلبيات في حياتهم العامة والخاصة مثل القلق والغضب والغيرة والانتقام وشتى الأعراض النفسية البغيضة، والمعوقات المهنية والمعيشية فعنئذ تعود تلك الفئة المستهدفة من المجتمع إلى من حولها بردة فعل غاضبة، تكون النتيجة سلبية للغاية نظرًا لما تعرضت له من ويلات وأضرار، مما يجعل تصرفاتها مشابهة أو أكثر لذلك السوء أو العدوان الذي لحق بها والعياذ بالله.

قد تستمر العلاقات الجائرة من أية فئة كانت ضد أخرى وقتًا من الزمن، وهذا ما أثبتته الأدلة والبراهين لفترات تطول أو تقصر لسبب أو لأخر في أي مجتمع، وقد تكون قائمة على الظلم وعدم المساواة في الحقوق والواجبات، فهي بذاتها تصنف بأنها علاقة مستوردة تسودها العلاقات المشبوهة ذات الطابع السلطوي، مما سوف يكون مصيرها الفشل والانحدار، واقتلاع جذورها من الأساس دون هوادة، حتى وإن كانت على المستوى الأسري أو الاجتماعي.

وقبل الختام نود الإشارة، بأن من الآداب والفضائل الحميدة في التعامل مع الناس كلهم حتى الأقرباء، ما حث عليه الإسلام وشدد عليه علماؤنا الأفاضل حفظهم الله في خطبهم، رعاية الحقوق، واحترام الخصوصيات، وحفظ الأسرار، والاعتدال والتوازن، الاحترام المتبادل في العلاقة، وقد جاء ذلك في خطبة الجمعة يوم أمس، لسماحة الشيخ العلامة حسن الصفار – حفظه الله – 5 ذو الحجة 1444، أن تجعل بينك وبين من تتعامل معه ” حدودًا ” وبمعنى آخر ” مسافة آمنة ” تستطيع من خلالها الرؤية بوضوح في حالة التباين في وجهات النظر والاختلاف لا سمح الله، وحتى لا تصطدم وإنما تتوقف في الحال قبل فوات الأوان، وأبان سماحته أن من أخطر التحديات والامتحانات التي يواجهها الإنسان في الحياة، امتحان العلاقة مع الآخرين في محيطه الاجتماعي، فعندما تكون علاقته جيدة مع من حوله، يكون أقرب إلى الرضا عن نفسه، والنجاح والسعادة في حياته، وحين تتعثر علاقاته مع الآخرين، ينعكس ذلك سلبًا على استقراره النفسي، وتتعقد حياته، ويكون أقرب إلى التعاسة والشقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى