أقلام

أبو عبد المجيد… حين يتحوّل المجلس إلى رسالة، والثقافة إلى أسلوب حياة

زكي الجوهر

غاب عن دنيانا رجلٌ لا يُغادر حضوره الذاكرة، ولا تنطفئ بصمته برحيله؛ أبو عبد المجيد، أحمد بن سعد عبد الرحمن العبد الهادي، أحد القامات الاجتماعية والثقافية البارزة في المنطقة الشرقية، بعد عمرٍ امتد 82 عامًا، حافلًا بالفعل الصادق، والعطاء المتدفق، وصناعة الأثر الهادئ العميق.

ولعل أصدق ما يُجسّد سيرته قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾

فقد كان عطاؤه نابعًا من إيمانٍ صامت، وعملٍ لا ينتظر مقابلًا، وحرصٍ صادق على نفع الناس وخدمتهم.

لم يكن أبو عبد المجيد اسمًا عابرًا في سجل المجتمع، بل كان قيمة إنسانية، ورمزًا من رموز أسرة العبدالهادي المباركة، ووجهًا مألوفًا بكاريزمته اللافتة، وأخلاقه الرفيعة، وسعة صدره، وابتسامته التي تسبق حديثه وتفتح القلوب قبل المجالس. عرفه الناس رجلًا اجتماعيًا بالفطرة، مثقفًا بالسليقة، قريبًا من الجميع، حاضرًا في أفراحهم وأتراحهم، لا تُثنيه المسافات، ولا تعوقه الظروف الصحية، إيمانًا راسخًا منه بأن الوفاء للمجتمع واجب لا يُؤجَّل ولا يُعتذر عنه.

ديوانية العبد الهادي… مجلسٌ تجاوز الجدران

ارتبط اسم الفقيد ارتباطًا وثيقًا بـ ديوانية الأستاذ أحمد بن سعد العبد الهادي وأبنائه، التي عُرفت على نطاق واسع بـ «إثنينية العبد الهادي» في الدمام؛ ذلك المجلس الذي لم يكن مجرد ملتقى، بل مشروعًا ثقافيًا واجتماعيًا حيًّا، تحوّل مع الزمن إلى منصة حوار راقٍ، وملتقى فكر، وجسر تواصل بين أجيال من المثقفين والأدباء والوجهاء وأبناء المجتمع.

وكان مما ينطبق عليه قول النبي ﷺ:

«أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»

فقد جعل من مجلسه نفعًا عامًا، ومن وقته جسرًا للخير، ومن علاقاته بابًا للتواصل والبذل.

كان أبو عبد المجيد صاحب المبادرة ورائدها الحقيقي، يدير تفاصيلها بشغف الشباب، وحكمة المجرب، وروح المبدع، حتى أصبحت الأثنينية علامة مضيئة في المشهد الثقافي، وحلّق اسمها — ومعه اسمه — في فضاء الإنجازات ذات الأثر العميق والمستدام.

الإنسان… قبل المجلس وقبل العنوان

من عرف الفقيد عن قرب، أدرك أنه لم يكن مجرد مضيف مجلس، بل إنسانًا نقي السريرة، سليم الصدر، بشوش الوجه، محبًا للدين والعلم والأدب، متفاعلًا بوعيٍ ورصانة مع قضايا المسلمين، حريصًا على الخير، مبادرًا إليه دون صخب أو ادعاء. جمع بين روح الدعابة المحببة، والتواضع الجمّ، والتنكر الصادق للذات، وبذل بسخاء وقته وجاهه قبل ماله، مستحضرًا في سيرته قول المصطفى ﷺ:

«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».

ورغم تقدمه في السن، ظل متقد الهمة، حاضر الذهن، دقيق التنظيم، كريم الضيافة، يمنح التفاصيل الصغيرة عناية كبيرة، ويستقبل ضيوفه بأعلى درجات الاحترام والذوق، حتى يظنه الزائر من كبار الأثرياء، بينما ثروته الحقيقية كانت في محبة الناس وصدق العلاقة معهم.

وداعًا أبا عبد المجيد

برحيله، تفقد الأثنينية روحها النابضة، ويفقد المجتمع رجلًا جاذبًا من الطراز الرفيع، ووجيهًا صادقًا في حضوره، وفاعل خيرٍ لا يكل ولا يمل. نسأل الله أن يجعل ما أصابه من مرض وضعف منذ جائحة كورونا وحتى وفاته في ميزان حسناته وتكفيرًا لسيئاته، وأن يصدق فيه وعده سبحانه:

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾.

خالص العزاء وصادق المواساة لزوجته أم عبد المجيد، ولأبنائه الكرام، ولإخوانه، ولأسرة العبد الهادي كافة، ولكل محبيه وتلامذته ورواد مجلسه.

رحم الله أبا عبد المجيد، وجعل مثواه الجنة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى