أقلام

انبثاق النور

السيد فاضل آل درويش

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾{ الجمعة الآية ٢ } .

تمثّل البعثة النبوية منعطفًا مهمًّا في التاريخ البشري وامتداده عبر الأجيال المتلاحقة، فقد كانت تحوّلًا وجوديًّا ومعرفيًّا وأخلاقيًّا شاملًا، ونقطة مضيئة بما تحمله من قيم تتوافق مع الفطرة السليمة وتحرك العقول الرشيدة ومدعاة للحفاظ على الكرامة الإنسانية والحفظ من السقوط في وحل النقائص والمعايب، رحلة الإنقاذ المحمدي جاءت بعد إطباق الظلام في مختلف أبعاد حياة الناس المعرفية والأخلاقية والاجتماعية، عقول تحجّرت وغاب عنها وعيها عندما وصلت إلى مرحلة الضلال العقائدي وعبادة الأصنام وأما على المستوى الأخلاقي فقد انتشرت بينهم الرذائل والأفعال المشينة، وأما علاقاتهم الهشّة فقد كانت تتحكّم فيها العصبيات والعنصرية والانفعالية، فتثور الخلافات بينهم لأبسط الأسباب المعيشية حتى تصل إلى حد الاحتراب، فجاءهم حبل النجاة على يدي رسول الله (ص) داعيًا لهم بالتمسك بالبصيرة و التفكير الناضج بعيدًا عن تحكم الأهواء والشهوات المتفلتة، ولذا نجد في القرآن الكريم إعلاء قيمة العقل والدعوة إلى بناء التصورات والنظرات وفق الأدلة والبراهين، كما أن القيم الأخلاقية والسلوكية هي نتاج ومرحلة لاحقة بالتمسك بالعقل الواعي، والآية الكريمة تختزل فلسفة البعثة ومقاصدها في أربعة محاور رئيسة: التلاوة والتزكية والتعليم والهداية بعد الانحراف والضلال المبين.

تبدأ الآية بقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ﴾، وفي ذلك تأكيد على أن الرسالة ليست صناعة بشرية ولا ثمرة عبقرية اجتماعية بل هي اصطفاء إلهي مباشر يكشف عن ملكات وقابليات خاصة، فالبعثة إذن تمثّل لطفًا ربانيًّا رحيمًا لإنقاذ الإنسان من التيه والاستجابة العمياء للأهواء بعد التخلي عن محكمات العقل الواعي والبصيرة الكاشفة عن الحقائق.

وقوله تعالى: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يشير إلى أن النبي (ص) لم يكن كائنًا مفارقًا للبشر بل عاش آلامهم وآمالهم وتكلّم بلغتهم وعرف واقعهم، وهذا القرب يجعله قدوة عملية تتجسّد القيم الأخلاقية في سيرته العملية لا مجرد مُبلِّغ نظري.

تلاوة الآيات القرآنية تمثّل البناء المعرفي للعقل وتكوين الزاد العلمي، فوظيفة النبي (ص) الأولى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} هنا ليست مجرد قراءة لفظية بل إيصال للمعنى وإحياء للقلوب وإقامة للحجة.

وأما التزكية فهي إصلاح الإنسان من الداخل، فقوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يدل على أن البعثة منهج تشريعي وتربوي وروحي، فالتزكية تطهير النفس من الشرك والتكبّر والهوى وبناء الضمير الأخلاقي وتهذيب الغرائز لا قمعها.

وأما تعليم الحكمة فهو ربط الشريعة بالعقل، فالآية تقول: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْحِكْمَةَ﴾، والحكمة أعمق من العلم فهي وضع الشيء في موضعه ومعرفة الغاية من التشريع، وتختم الآية بقوله: ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، وهذا الضلال لم يكن فكريًّا فقط بل أخلاقيًّا واجتماعيًّا كعبادة الأصنام والظلم القبلي ووأد البنات وغياب العدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى