أقلام

حين يتكلم الغيب: سرّ المعجزة واليقين الإلهي

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة السادسة في سلسلة مقالاتنا حول براهين إثبات وجود الله تعالى، والتي نستعرض فيها واحدًا من أقوى وأوضح الأدلة في حياة الإنسان: برهان المعجزة، مستفيدين من كتاب تبيين البراهين على إثبات وجود الله للشيخ عبد الله الجوادي الآملي، ومن ميراث الفلاسفة والمتكلمين.

مقدمة:

تخيّل أن الكون يوقف أنفاسه لحظةً، وأن ما كنت تعتبره مستحيلًا يصبح واقعًا أمام عينيك. الأمواج تنشق، العصا تتحول إلى حيّة، القمر ينشق، والأرواح ترتعش أمام مشهد يفوق كل تفسير. هذه ليست أساطير، ولا ألعاب عقلية، بل المعجزة: علامة حيّة، صرخة من الغيب إلى الشهادة، دليل قاطع على وجود الخالق الذي لا يحدّه زمان ولا مكان.

المعجزة ليست مجرد حدث غريب يمرّ مرور الكرام، بل نداء للقلوب والعقول، إشعار بأن وراء كل شيء قوة أزلية عليا، حكيمة، ومطلقة. حين تواجهها، يدرك الإنسان فجأة أن الكون كله ليس صدفة، وأن كل ما حوله مرهون بإرادة الخالق، وأن وجوده مرتبط بالقدرة المطلقة التي تخلق وتدبر وتغيّر مجرى الأحداث كيفما شاء.

في هذه اللحظة بالذات، يصبح كل شكّ منقضًا، وكل حيرة تتلاشى، لأن المعجزة ليست مجرد تجربة حسية، بل جسر يربط بين عالمنا المألوف وعالم الغيب، رسالة خالدة تقول: “أنا هنا، وأنا القادر على كل شيء”.

المعجزة ليست سحرًا، ولا خدعة، ولا استعراضًا للقوة. إنها توقيع إلهي مباشر على رسالة النبي، علامة لا يملك البشر الإتيان بمثلها، لتكون حجة قاطعة أن ما جاء به الرسول ليس من عند نفسه، بل من عند الله.

المعجزة بين العقل والوجدان

منذ فجر التاريخ، كان الإنسان يتساءل: كيف نميّز بين من يدّعي النبوة صدقًا ومن يدّعيها زورًا؟ فجاء الجواب الإلهي عبر المعجزة. فالعقل يدرك أن من يتحدى البشر بما لا يقدرون عليه، ويُظهر من خوارق العادات ما يعجز الجميع عن الإتيان بمثله، لا بد أن يكون متصلًا بقدرة أعلى من قدرة البشر. وهكذا تصبح المعجزة جسرًا بين العقل والوجدان، بين المحسوس والغيب، ترفع الإنسان إلى يقين لا يداخله شك.

جولة في معجزات الأنبياء

وإذا تأملنا في قصص الأنبياء، وجدنا أن كل رسالة سماوية جاءت ممهورة بآيات باهرة، تنطق باسم الله وتشهد لصدق الرسل.

فهذا نوح (ع) يشق الطوفان بسفينته، فيتحول البحر الهائج إلى طريق للنجاة.

وهذا إبراهيم (ع) يُلقى في النار، فإذا باللهيب يصبح بردًا وسلامًا.

وذاك يوسف (ع) يفسّر الرؤى بدقة إلهية، فينقذ أمة بأكملها من المجاعة.

أما داود (ع) فقد لان له الحديد بيده، وأُعطي صوتًا إذا سبّح به تجاوبت الجبال والطيور.

وسليمان (ع) سُخرت له الرياح والجنّ والطير، فصار ملكه آية على تسخير القوى العظمى.

وجاء موسى (ع) بالعصا التي ابتلعت سحر السحرة، والتي شقّت البحر فكان كل فرق كالطود العظيم.

ثم ظهر عيسى (ع) معجزة حيّة، يُبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى بإذن الله.

وأخيرًا، ختم الله الرسالات بنبيه الأكرم محمد ﷺ، النبي الأمي من أم القرى، الذي جمع الله له معجزات حسية كشق القمر ونبع الماء من بين أصابعه، لكنّه تميز بمعجزة خالدة، ليست مقصورة على زمن أو مكان: القرآن الكريم.

المعجزة الخالدة: القرآن الكريم يتحدى الزمن

المعجزات السابقة كانت مرتبطة بلحظات تاريخية محددة، يراها قوم النبي فتكون حجة عليهم. لكن معجزة النبي محمد ﷺ جاءت مختلفة: إنها معجزة تخاطب العقل والروح، وتخترق الزمان والمكان.

القرآن ليس مجرد كتاب وعظ أو أحكام؛ إنه بناء لغوي مهيب أعجز فصحاء العرب أن يأتوا بسورة من مثله، رغم تحديه لهم مرارًا. وقفوا أمامه مبهورين: لا هو شعر فيُردّ، ولا هو نثر فيُعارض، بل نسق بديع لا يملك اللسان البشري الإتيان بمثله.

ثم هو معجزة معرفية أيضًا، أشار إلى حقائق كونية دقيقة: من تكوّن الجنين في أطوار، إلى حركة الجبال كالمرور السحاب، إلى اتساع الكون، وكلها لم تُكتشف إلا بعد قرون طويلة من نزوله. وهنا تتجلى عظمة التحدي: معجزة لا تقف عند حدود البيان، بل تمتد إلى العلم والمعرفة.

وهو كذلك معجزة روحية، فمن تلا آياته بقلب حاضر أحس أن شيئًا يتخلل روحه لم يعهده من قبل: طمأنينة وسكينة تنزل كالغيث على أرض عطشى.

فالمعجزة هنا لم تعد حدثًا يُشاهد بالعين فقط، بل صارت خطابًا مفتوحًا يلامس العقول جيلاً بعد جيل. ولو انطفأت كل أضواء الدنيا، لبقي القرآن نورًا متجددًا يتحدى الجميع: “فأتوا بسورة من مثله” (البقرة: 23).

الخلاصة:

حين تهتز العقول أمام صوت المعجزة.

المعجزة ليست مجرد أحداث عابرة أو قصص تُروى للتسلية، بل هي صرخة الله في الكون، إعلان صارخ أن وراء كل حدث قوة لا تحدها العادة ولا تقيدها الأسباب. إنها اليد الإلهية التي تمتد لتقول للإنسان: “قف! أنت لست وحدك في هذا الوجود، فأنا هنا منذ الأزل وإلى الأبد.”

من شق البحر أمام موسى إلى تحول العصا إلى حيّة، ومن شفاء عيسى للموتى والأبرص، إلى انشقاق القمر أمام قوم محمد ﷺ، تمتد المعجزات لتكشف أن الرسالات السماوية ليست وهمًا، ولا جهدًا بشريًا، بل علامات واضحة على قدرة الله المطلقة.

والأعظم من ذلك كله، القرآن الكريم، المعجزة الخالدة التي تتحدى الزمن، لغة الله الحية التي لم تذوِ مع مرور القرون، وتظل صدى يتردد في كل عقل وقلب، تقول للبشر: “هذا كلام ربك، فهل من مُجيب؟”

المعجزة هي جسر العقول إلى الله، وقنديل الأرواح في ظلمة الجهل، وصوت الغيب الذي لا يخبو، والدليل الذي يهزّ الوجدان قبل الفكر. وكل من يصغي إليها، يسمع خلف الكلمات صوتًا أزليًا يهمس في كيانه: “أنا الحي الذي لا يموت، أنا القادر الذي لا يعجز، أنا الله لا إله إلا أنا.”

اللهم يا مظهر الآيات، يا من أيّدت أنبياءك بالآيات الباهرات، اجعلنا من الذين يسمعون صوت المعجزة في حياتهم، ويفهمون إشاراتك، ويعيشون على يقين كامل بقدرتك المطلقة. اللهم زدنا إيمانًا بك، وثبتنا على صراطك، واجعلنا شهودًا على عظمتك في كل لحظة من حياتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى