أقلام

ثقافة الحاجة والعطاء واحترام الإنسان

الشيخ حسين البيات

الصدقة أفضل من عدمها، والكلمة الطيبة والدعاء للفقير بالغنى (الله يغنيك) والستر عليه بما لا يجعله محل إهانة خير من صدقة تؤذيه بالقول أو فضحه وتسقيطه بين الناس. وقد يكون معنى المغفرة هو العفو والصفح عنه إذا صدر منه كلامًا سيئًا،

هذا ما تختصره هذه الآية بمعانيها العظيمة: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾

وربما تذهب بعض الآراء إلى أن سد حاجته وإن لحقه بعض الأذى خير من تركه محتاجًا وقد يكون ذلك صحيحًا خصوصًا مع المجاعات أو الحاجات الشديدة لكن الآية بصدد بيان الأفضلية بالنسبة للحالات الاجتماعية المعتادة، وأما في حالات المجاعات فإنها لا تعد صدقة تطوعية وإنما وجوب إنقاذ النفس، وهذه لا يلاحظ فيها إلا حالة واحدة وهو إنقاذ النفس المحترمة، ومثلها إنقاذ غريق أو حريق فإنه لا يلاحظ فيها عقلًا إلا حفظ تلك الروح.

الصدقة عطاء وهي من الكرم وهي صفة محمودة فالنفس إذا جُبلت على حب الخير أو تربت عليه أو تعويد الإنسان نفسه على البذل فتصبح ملكة راسخة بالنفس بعد التكرار والاستمرار فتنعكس مباشرة على انفعالاته النفسية حيث لا يمكن للإنسان أن يرى محتاجًا فلا يقضي حاجته سواء بالمال أو المساعدة أو التوجيه إليها فحُفر الشوارع المؤذية والتي قد تسبب أضرارًا بالغة للمارة فإن كان النظام البلدي يسمح بإصلاحها فليكن وإلا فليخبر المسؤولين عن ذلك لأجل القيام بواجبهم.

قد يلزم ببعض العطاء الرياء أو يلحقه الإهانة او التعالي على الآخرين بعطائه فهذا مذموم، وكذلك إذا كان إسرافًا أو تبذيرًا أو تقديمه لغير أهله كما إذا أعطي لمن يستعمله في المعاصي أو بذل كل ماله صدقات بينما أهله وأسرته بحاجة إليه.

ولا بد أن نفرق بين بطلان أصل العمل وبين طروء ما يبطله وإن كان في الأصل صحيحًا، ففي الآية التالية ” يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤمِنُ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلأٓخِرِ” فرّق بين بطلان أصل العمل بالرياء والسمعة وإن كانت صورته حسنة، وبين كون أصله جيدًا ولكنه لحقه القبح بالمن والأذى.

وفي صورة أخرى لمعنى المغفرة بمعنى التسامح وغفران هفوات المحتاج حينما تلّح عليه الحاجة وتجبره على رد الصدقة لكونها قليلة فيعود ويلح ويعتذر منه المعطي فلا يقبل منه وهو سلوك غير جيد من الفقير (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) وإن اشتدت به الحاجة فقد لا يكون لدى المعطي آكثر مما قدم، وقد يكون في زيادة الإلحاح ما يصدر من المعطي كلامًا غير مرضي بل نجد القرآن يمدح سلوك العفة (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ)،

وهذا ما يدعونا إلى أن نتحسس حاجة المتعففين ممن لا يسجلون في الجمعيات الخيرية خوفًا على ماء وجوههم وأسرهم وعشيرتهم، ولا يطلبون من الناس وقد يتعرف المقربون منهم على ذلك صدفة أو لأمر كشف ذلك فلا يُتركوا دون عناية وتوفير حاجاتهم وإن أمكن بسرية دون أن يعرفوا مصدر المعطي فهو خير وأطيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى