وسراجًا منيرًا (٢)

السيد فاضل آل درويش
التعاليم والتوجيهات المحمدية أحدثت تغييرًا كبيرًا في الناس على مختلف المستويات العقائدية والفكرية والسلوكية والاجتماعية، فتلك البصمات الخيّرة واضحة في صنع واقع يحمل معاني الكرامة والحضارة والتقدم الإنساني، فهذا الدستور والمرجعية المتمثل مصدرها في القرآن الكريم والكلمات الحكمية من رسول الله (ص) أعطت الأحكام العقلية دورها ومحوريتها في حياة الإنسان، بعد أن كانت الأهواء والأفكار المتزمتة والتقليد الأعمى مصدر تحكم في الناس وجعلتهم يتخبّطون خبط عشواء في مواقفهم ونُظم علاقاتهم، فتلك النفوس المنغمسة في الشهوات جعلها تسير في طريق الانحدار الأخلاقي والمعايب والأفعال المشينة، وجاءت التعاليم المحمدية لتنقل الناس إلى عالم الفضيلة المنسجم مع الفطرة البشرية السليمة وتدعوهم إلى مكارم الأخلاق.
كما أن علاقاتهم الملتهبة بمشاعر الحقد و الكراهية والخصومات حتى اشتعلت القطيعة والحروب بينهم، فجاءت الأنوار المحمدية لتستخرج من نفوسهم تلك الضغائن وتطرح حلا نهائيًّا للصراعات من خلال روح التسامح والتجاوز عن الإساءات، وفتح صفحات جديدة من العلاقات تحترم الحقوق وتتجنب كل الطرق الموصلة للمشاحنات والخلافات، واستطاع الرسول الأكرم (ص) في فترة زمنية قصيرة – غير مسبوقة – أن تحدث قناعة في العقول والقلوب بالدين الإسلامي وقيمه ومضامينه، هذا التغيّر في مجراه الفكري والسلوكي لم يكن مجرد حدث تاريخ يمكن اختزاله أو تغييب العوامل المؤثرة في إبرازه، بل هو رفع لراية السمو الأخلاقي وتطهير النفوس من الرذائل والمشاعر السلبية، والتعامل مع الواقع بما يحمله من أفكار أو ظواهر سلوكية بطرف الأدلة العقلية واستعراض مستندها وأساسها وفق ذلك، فاستخرج (ص) من عقولهم علقة الجهل والتزمت واتجه بها نحو الحزم والضبط والحكمة بعيدًا عن التهوّر والانفعالية، فقد كان ظلام الضلال المبين يلف عباءته ويخيّم على مشهد حياة الناس في زمن الجاهلية على المستوى العقائدي والأخلاقي والاجتماعي وسيادة العادات السيئة، فسادت بين المؤمنين بالرسالة المحمدية حالة الوعي ونور البصيرة وانطفأت الخزعبلات والشعوذة وأساطير الخرافة والاستجابة العمياء لتراث الآباء.
وليس هناك من نص واضح وتعريف شامل بالرسالة المحمدية كقوله (ص): (إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق)، فقد شهدت الأمة نقلة نوعية انتشلتهم من التصرفات الهوجاء وتحكم الأهواء والأفعال الانفعالية، وقدّم لهم رسول الله (ص) صورة مُثلى من القدوة الحسنة لا نظير لها وتجسّدت فيه الأخلاق الجميلة بأبهى صورها، فمنهج الحياة في إطار القيم الإسلامية مدرسة تربوية لتطبيق قيم الصدق والأمانة والتواضع والتسامح، فالأمر يتعلّق بالضمير الواعي المؤثر في حركة الإنسان وكلماته وحواراته وتفكيره وسلوكه بما يقيه من الوقوع في طريق الخطيئة.