الأحساء الواحة الخضراء

بشائر: صالح تقي
في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية تقع الواحة الخضراء، مدينة الأحساء، التي لطالما أتوق لزيارتها وألتقي بنخيلها ومياهها العذبة وجبالها الأخاذة، وتاريخها الممتد لآلاف السنين، وتضاريسها وجغرافيتها المميزة، والأهم من ذلك كرم وسماحة ساكنيها.
اسم الأحساء جمع «حسي»، وهي الأرض التي تحتفظ بالماء في باطنها، ومن هنا نعرص صفة مدينة أو واحة الأحساء، فاستمدت الاسم من وفرة مياهها وخصوبة أرضها وكثرة نخيلها في محيط من الرمال والصحراء الجافة، ووفرت لها الصحراء حصنًا طبيعيًا، ويميزها كثرة العيون فيها، بل إن الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة خال له إحدى عيونها نهرًا ومحافظة الأحساء واحة خضراء تمتد بها غابات النخيل الباسقة والمساحات الخضراء، ومن أهم مدنها مدينة الهفوف (قيل إن سبب التسمية تهافت الناس عليها، وذلك لوفرة الماء والتمر)، ومدينة المبرز التي مع امتداد العمران جعلهما مدينة واحدة، وبها أكثر من اثنتين وعشرين قرية، ومن أشهر قراها قارة والدالوة والنواثير وغيرها من القرى التي تتفجر بها عيون الماء العذبة، وتستظل تحت أشجار النخيل الذي يقدر عددها بأكثر من ثلاثة ملايين نخلة شامخة معطاءة بألذ أنواع التمور، بشهادة القاصي والداني، مما جعلها تشكل مشهدًا حضاريًا ممتدًا لآلاف السنين، حيث سكنها الكنعانيون واشتهروا بأعمال الري والزراعة وأسسوا تجمعًا حضاريًا باسم الجرهاء، حيث قامت على أنقاضها مدينة هجر (الجرهاء وهجر من الأسماء القديمة للأحساء)، ومن ثم اشتهرت باسم الأحساء.
وتبعد الأحساء 328 كيلومترًا عن الرياض، وتبلغ مساحتها 379.00 كم، أي ما يعادل 18 في المئة من أراضي المملكة العربية السعودية، وتحتوي على أربع مدن رئيسية، وكان ميناء العقير المجاور للمدينة ميناء شهيرًا تحط فيها السفن وهي تنقل التمور ومختلف البضائع، وبذلك شكلت الأحساء مركزًا تجاريًا وثقافيًا لتاريخ أكثر من ستة آلاف عام، حيث سكنها الكنعانيون والفينيقيون وغيرهم من الأمم القديمة التي احترفت الزراعة، وقد وصف المؤرخ اليوناني بوليبيوس الأحساء بأنها تشكل مركزًا تجاريًا مهمًا وسوقًا من الأسواق النشطة في بلاد العرب، وملتقى لطرق القوافل الواردة من جنوب الجزيرة العربية وشمالها، ومازالت كذلك مزدهرة وواحة خضراء يانعة يقصدها الجميع.
وطويت لنا المسافات ونحن نسلك الطريق البري المريح قاصدين زيارتها من الكويت، ولم تمض سوى سويعات حتى وصلنا المدينة بعدما غابت الشمس، لذلك ومن البديهي أن يبدأ جدولنا بالتجول بالصباح الباكر لنرى ما تحتويه الأحساء من جمال المنظر وأصالة التاريخ.
جبل القارة إبداع جيولوجي طبيعي
قبل أن أبادر بالسؤال عن أهم معالم المدينة لزيارتها، يكون الاقتراح بالذهاب إلى جبل القارة، سواء ممن هو ملم بالأحساء أو من أصادفه من أهلها، بل حتى موظف الاستقبال بالفندق، الجميع يصر أن تكون وجهة أساسية فهو من أهم معالم الأحساء الطبيعية. جبل قارة الذي له مكانة وعشق في قلوب الأحسائيين وكل مَن يزور الأحساء يبعد 15 كيلومترًا شرق مدينة الهفوف، فلم أشعر بالوقت، حيث قضيت الدقائق أستمع إلى ذكريات زيارات سابقة للجبل من مرافقي، وأنه يعتبر أعجوبة جيولوجية، ويسمى جبل قارة نسبة لقرية قارة المجاورة للجبل، ويطل الجبل على بساتين النخيل الباسقة وتبلغ مساحة قاعدته 14 كيلومترًا، ويتكون من صخور رسوبية ذات تكوينات في غاية الجمال، وليس بالضروري أن يكون زائر الجبل ملمًا بالجيولوجيا، ليعرف نتائج عوامل التعرية، حيث من البديهي أن يعرف سبب تشكل قمم جبل قارة، ومما لا شك فيه أن عوامل التعرية من الرياح المستمرة عملت على نحت وتشكيل الجبل ليكون أعجوبة جيولوجية، وكنت أتبع مجموعة من السياح، وكان هذا محور حديثهم، لذك تكون هذه الزيارات كنزًا معرفيًا تمد الزائر بالمعلومات القيمة، وقد سارعت بدخول أحد الكهوف لأشاهد إبداع الخالق عز وجل، ومن مميزات كهوف جبل قارة اعتدال الجو داخل الكهوف، حيث تكون معتدلة إلى باردة بالصيف وغنية بالتيارات الهوائية اللطيفة (بسبب الضغط الجوي)، ودافئة شتاء، وقد اعتاد أهالي الأحساء التنزه وزيارة الجبل، خصوصًا بالأعياد والمناسبات، وإحدى مغارات الجبل تسمى مغارة العيد، والجبل حاليًا، وبعد عمليات الترميم والتجديد والاستثمار السياحي أصبح مزارًا سياحيًا عالميًا، فضلاً عن أن الجبل سجل في لائحة التراث العالمي، ويحتوي الجبل على متحف ومشروع أرض الحضارات الثقافي السياحي، وتقام الفعاليات السياحية والاجتماعية والأمسيات الثقافية تحت سفوح الجبل في منظر رهيب. والشيء المتميز الذي نال إعجابي الإضاءة الهادئة والمناسبة داخل مغارات وكهوف الجبل، مما وفر لي إضاءة مناسبة للتصوير.
النخيل على مد البصر
يقول الشاعر الأحسائي جاسم الصحيح:
سلالتُنا تمتدّ في كلِّ نخلةٍ
فإن لم نجدْ خالًا وجدنا بها عمَّا
وما النخل إلا الناس عزًّا وطيبةً
فثَمَّةَ نخلٌ يلبس العظمَ واللَّحْمَا
ويقول أحد الشعراء: «فيه الخلاص وأجود التمر أخلصه» (كناية عن تمر الخلاص، وهو نوع فريد من أنواع التمور، وأجود أنواع التمر الخلاص بالأحساء).
علاقة الأحساء بالنخيل علاقة وطيدة وجزء من وجدان أهل المدينة، واشتهرت الأحساء بالنخيل وأجود أنواع التمور حتى يقال بالأمثال «كحامل التمر إلى هجر» (هجر الاسم القديم للأحساء) كناية عن الإنتاج الغزير للتمور، وترتبط النخلة بعلاقة عشق وارتباط بالتاريخ والإنسان والأرض، حيث برع المزارعون الأحسائيون بالعناية بأشجار النخيل عبر الزمن، وعرفوا أسرار الشجرة، فبادلتهم التحية، والنتيجة تمور الأحساء بالصدارة، بوجود ستة عشر صنفًا من التمور، وإنتاج يبلغ 100 طن يمثل عشرة في المئة من إنتاج المملكة العربية السعودية، وهنا لا أتكلم عن الكمية فقط بل الجودة.
وعند تجولي بسوق التمور يتم إهدائي بعضًا من لذائذ التمر مصحوبًا بفنجان من القهوة السعودية، فكان كل نوع من التمور يلقي حجته علي بأنه الألذ، كيف لا وتمور الأحساء مطلوبة بالعالم الأجمع خصوصًا بشهر رمضان المبارك، لما لها من خصوصية وروحانية لهذا الإنتاج المبارك من الشجرة المباركة. ومن أصناف تمور الأحساء الخلاص الخنيزي والزاملي وغيرها من الأصناف اللذيذة، وتعتبر الأحساء أكبر واحة نخيل بالعالم بمساحة 85 كيلومترًا مربعًا، وأكثر من ثلاثة ملايين نخلة تغذيها ينابيع وعيون مياه عذبة، مما يعطي التمور مذاقًا لذيذًا مميزًا، ومَن يزور الأحساء يجد كرم الضيافة بتقديمها له وتوفرها بكل مكان، طبعًا مع القهوة أو اللبن. ومن الأشياء الملاحظة الاستفادة من كل أجزاء النخلة، باستخدام سعف النخيل في الصناعات الحرفية وكذلك في الأسقف والسلال، كما أن المزارع أشاهدها بكل اتجاه بالأحساء مما يشكل غطاءً أخضر جميلًا يسر الناظرين، ولا تقتصر فقط على النخيل، وإنما هناك مزار للأرز الأحسائي الشهير، كذلك هناك مزارع لزراعة أنواع من الفواكه والخضراوات، ما يشكل بالمنطقة سلة غذائية مهمة للمملكة العربية السعودية.
الخبز الأحمر… خبز بأيدٍ خبيرة
بين مزارع الأحساء الغنّاء تفوح رائحة زكية تنادي عن وجود أرغفة شهية عجنت ومزجت بالتمر الأحسائي الذي يعتبر أكسير الأحساء وفخرها، لتكون النتيجة الخبز الأحمر الأحسائي الشهير. ومنذ أكثر من 65 سنة دأب مخبز عبدالرحمن الربيع منذ الصباح الباكر بتوفير هذه الأرغفة الساخنة الشهية، وكنت سعيد الحظ بمقابلة العم الطيب عبدالرحمن الربيع صاحب المخبز، الذي وجدته شعلة من النشاط والحيوية والفخر والاعتزاز بعمله، حيث بادر بأخذ العجين الممزوج بالتمر وتشكيل أرغفة الخبز، ليضعها بالفرن الفخاري الذي اشتعل بواسطة جذوع نخيل الأحساء التي تعطي نكهتها ليخرج لي أرغفة شهية حيّدتني عن التصوير قليلًا لأخذ نصيبي منها، وكانت ذات طعم شهي ورائحة زكية، كيف لا والعم عبدالرحمن دأب على الخبز من نعومة أظفاره، أي منذ عمر ثلاثة عشر عامًا. وعن الوصفة لهذا الخبز حيث ينقع التمر بالماء وتضاف الخميرة والطحين، ومن ثم تكون العجينة جاهزة للفرن، والخبز الأحمر الممزوج بالتمر يعتبر وجبة كاملة أمدّتني بالطاقة والنشاط، فهي خلطة ما بين طحين البر الغني بالألياف والتمر ذي الفوائد الجمة، ولا أنسى إتقان الخباز المخضرم، والعم عبدالرحمن شارك بمهرجان الجنادرية الثقافي ونال التكريم أكثر من مرة بسبب محافظته على هذا التراث، حيث سجل الخبز الأحسائي الأحمر اللذيذ ضمن أخباز المدن المبدعة في اليونسكو.
حصون وقلاع تنبض بالأصالة
القلاع والحصون تنبض بالأصالة وتعكس عمق التراث وفيها روح التاريخ، وهي نظام معماري دفاعي انتشر بالجزيرة العربية وسواحلها، والأحساء ليست استثناءً، فهناك حصن قصر صاهود بضاحية الحزم المبني من الطوب اللبني، وحصن المشقر الذي بني فوق تل شرقي مدينة الهفوف، ويعتبر من القصور القديمة من العصر الجاهلي، وقد ذكر في الكثير من المصادر التاريخية ومنها ياقوت الحموي، وقد اندثرت أطلاله، لكن مع الاكتشافات الأثرية وشواهد أساسات الحصن تم تحديد مكان الحصن وبنائه بطريقة هندسية تراثية تاريخية من مواد تتناغم مع طبيعة المكان وخصوصيته التاريخية، وتحيطه المسطحات الخضراء الجميلة إضافة لساحة للفعاليات، ويحبذ أهل الأحساء السهر والسمر تحت أكنافه، ونحن لسنا استثناء فقد استمتعنا بالأجواء الجميلة والنسمات المنعشة.
وجدير بالذكر، ولا يفوتني، أن أترك الأحساء دون أن أزور قصر إبراهيم، ذا البياض الجميل، والذي يعتبر من معالم الأحساء وتحديدًا في مدينة الهفوف، وبموقع مميز وليس ببعيد عن مركز الهفوف التجاري سوق القيصرية، ويرجح بناؤه عام 1555م من قبل الدولة الجبرية التي حكمت الأحساء، واستنادًا إلى بعض المراجع ينسب اسم إبراهيم للقائد العثماني إبراهيم باشا، حيث تم استغلال القصر كقلعة عسكرية من قبل الدولة العثمانية، ويلاحظ نمط المعمار الفريد ما بين العربي والعثماني من خلال الأقواس والقباب، ويغطي القصر مساحة 16500 متر مربع بشكل مربع، ويجمع القصر بين الجمال التاريخي والقوة المعمارية. ويحتوي سور القصر على ثمانية أبراج للمراقبة وإطلاق النار، وتم اعتماد المواد المحلية لتحقيق التناغم مع مناخ المنطقة، واستعمل لبناء القصر الطين والجص والأسقف من جذوع النخل والجندل (أخشاب شجر المنجروف)، وكما ذكرت أنه المعمار عثماني فهناك مبنى حمام البخار التركي التقليدي، الذي قد يكون مخصصا للضباط، ويحتوي القصر على مخازن للذخيرة وثكنات للجنود، ومن أساسيات الحصون والقلاع تواجد بئر ماء، وهذا أيضًا موجود بعمق 20 مترًا، ونظرًا لأهمية الماء وضع بجانب البئر ثكنة للحراسة بالقصر، إضافة لاسطبلات ومرابط الخيل ومن أهم معالم القصر، بل الأحساء، مسجد القبة بالجهة الجنوبية الغربية من القصر، ويتميز بمئذنته الشاهقة وقبته الكبيرة البيضاء التي توفر الصدى لنشر صوت الإمام والمؤذن داخل المسجد، وقد بني المسجد من قبل حاكم الأحساء العثماني آنذاك علي باشا عام 1572م، وكان خارج الحصن، ومن ثم تم ضمه لبناء القصر، ويتميز بمئذنته الشاهقة لتصدح بالآذان بمواقيته، ويصنف القصر الجميل بأحد مواقع التراث العالمي من قبل منظمة اليونسكو، خصوصًا وأنه تمت مراعاة جميع الأمور الهندسية عند إعادة ترميمه وافتتاحه عام 2018م، حيث تم استخدام المواد الأولية وتوفير إضاءة احترافية هادئة تبرز جمالية المكان التاريخي.
وقد أعجبت بالأبواب الخشبية الجميلة، والأبواب عنوان للحضارة المعمارية وأهم عنصر بتكوينها وتصميمها والمواد المصنعة والأخشاب تحيي تاريخ المنطقة، والمفردات الزخرفية والمعادن توثق حضارة وتاريخ المنطقة، وهذا ما أبهرني بأبواب مدينة الأحساء سواء المنازل أو المساجد والحصون، ووجدت مهارة وتميزًا ودقة بصناعتها التي تحدث عن مهارة الحرفيين، والأجمل بالأبواب تلك الزخارف المستمدة من البيئة الزراعية، أو الزخارف ذات النمط الإسلامي، فلا يمكن تجاوز أي باب دون التأمل بجماله، والأهم من ذلك توثيقه فوتوغرافيًا. وأثناء انهماكي بالتصوير قدم لي أحد المشرفين على القصر الحلوى والقهوة، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على كرم الضيافة والاهتمام بالسياح.
سوق القيصرية عصب الحياة الاقتصادية بالأحساء
سوق القيصرية يعطي للأحساء مكانتها التجارية بالمنطقة، ويأتيه الزوار من كل أنحاء المملكة وكل دول الخليج، ويعتبر محطة تموين ورافدًا اقتصاديًا مهمًا عبر التاريخ، ويتمتع بموقع مميز وسط مدينة الهفوف. بمنطقة الكوت يقع سوق القيصرية، الذي استقبلنا بعبق رائحة البخور والتوابل والبهارات والأعشاب منكّهة بروائح الليمون الأحسائي الشهير، ويرجح تأسيس السوق بالقرن السابع عشر، وفي عام 1822م بالعهد العثماني بدأ تنظيم صفوف من المتاجر الصغيرة المتلاصقة، وقد تم وصف السوق من قبل الرحالة البريطاني ويليام بلجريف الذي زار الهفوف عام 1852م، وتقدر المتاجر بأربعمائة متجر على مساحة 15 ألف متر، وله أربعة عشر مدخلاً، منها مدخل ببوابة جميلة وكبيرة، ويعد سوق القيصرية من أكبر الأسواق ذي الأروقة المسقوفة بالمملكة، ويخترق سوق القيصرية وسط المدينة من الشمال للجنوب، وتاريخيًا تعتبر الأحساء محطة تموين للجزيرة العربية كافة والمنطقة، حيث تأتيها القوافل من كل حدب وصوب، كذلك هناك الكثير من البضائع سيما الغذائية منها، وخاصة التمور تصدر عبر ميناء العقير المجاور (ميناء العقير من أشهر موانئ الخليج قديمًا ويستقبل السفن المحملة بمختلف أنواع البضائع، مثل البهارات والهيل والبخور والأخشاب من الهند وغيرها من الدول، ويتم تصدير التمور والدبس والبشوت الأحسائية الفاخرة)، ونتيجة للحركة التجارية النشطة يعتبر سوق القيصرية مركزًا اقتصاديًا مهمًا بالمنطقة، وتتنوع المتاجر التي تعج بالبضائع، فهناك العطارون الذين يبيعون مختلف أنواع الأعشاب والبذور مثل حبة البركة والحلبة والجريش والمرة، والبخور الذي أثار إعجابي برائحته الزكية، وحرصت على شراء القليل منه هدية للأسرة والأصدقاء، وهناك بالسوق المنتوجات الغذائية كالتمور والليمون الأحسائي الشهير والأرز الذي يعتبر أغلى أنواع الأرز بالعالم لتميزه ومذاقه اللذيذ، حيث تذوقته بأحد المطاعم التراثية، ومن أهم ما جذبني بالسوق شراء القهوة المخلوطة بالزعفران والهيل، حيث تباع بالسوق، ويذكر أن السوق تعرض لحريق مدمر عام 2001م ولكن لله الحمد لم أجد آثارًا لهذا الحريق، حيث بدا السوق منظمًا ومحافظًا على هويته التاريخية بين عراقة الماضي وأصالة الحاضر بتناغم بين القديم والجديد، يجعلني أتناسى الوقت الذي أمضيته متنقلًا بهذا السوق التاريخي الممتع. وقد ظفرت بسترة صوفية حيكت بحرفية وإتقان وكانت صيدًا ثمينًا وتذكارًا جميلًا من سوق القيصرية.
الحرفيون استثمار إنساني مستدام
بمنطقة زراعية غنية وحيوية من الطبيعي جدًا أن تكون بيئة مناسبة للحرفيين، فزاول الحرفيون مهنتهم عبر التاريح مواكبين النهضة الزراعية بالأحساء فكان الحداد الذي يصنع أدوات الزراعة، وتحديدًا المنجل رفيق الزراعة، وهذا ما شاهدته بالقرب من سوق القيصرية، فمازالت المناجل تسبك لتتلقفها أيادي المزارعين السمراء، ومع انتشار النخيل فكان استغلال كل ما يأتي من الشجرة المباركة ومن ذلك السعف الذي تصنع منه الأسقف والخوص والسلال وبسط الحصير، وكل ما سبق يكون ببصمة حرفية أحسائية معروفة سواء من الألوان أو جودة وتماسك الخوص.
ومن الحرف اليدوية التي اشتهرت بها الأحساء صناعة الفخار، وكنت محظوظًا بزيارة أحد معامل الفخار بالقرب من جبل القارة، وهو معمل قديم توارثت فيه المهنة جيلًا بعد جيل، وينتج المصنع عددًا من المنتجات الفخارية والتحف والأواني والجرار، وقد شرح لنا الغراش مشكورًا عملية التصنيع، حيث جلب المنابت والطين من أماكن معينة (عين الحارة)، ويتم خلط عجينة الفخار وتخميرها لمدة أربعة أيام، ثم يضاف الرمل، ومن بعدها تبدي عملية تشكيل الفخاريات بمهارة وفن، والحرفي الغراش حمل معه فنه، حيث شارك بالكثير من المعارض الدولية، ومصنعه الجميل معلم سياحي جميل ومصنع فخاريات مستدام، ولدعم الحرفيين تم افتتاح مركز الحرفيين أو سوق الحرفيين عام 2020م، بمعمار أحسائي تراثي جميل، وعلى مسافة 12 ألف متر بالقرب من سوق القيصرية، ومن أهم ما يضمه السوق بعد المعامل والورش الحرفية أكاديمية خاصة لتعليم الحرف اليدوية، وقد تحاورت مع أحد أصحاب الدكاكين الحرفية وهو الحاج باقر الذي شرح لي أهمية المنتوجات الحرفية وجودتها ومهارة صنعها، وبعيدًا عن صوت المطارق يكون السوق بيئة حاضنة للمبدعين، ومكانًا لكل من يبحث عن منتوجات عالية الجودة ومن مواد مستدامة وأسعار مقبولة.
البشت… أسرار الحياكة في الأحساء
البشت أيقونة الأحساء، وله من الشهرة الكثير، تتوارث أسرار حياكته جيلاً بعد جيل، فمنذ قدم الزمان اشتهرت الأحساء بالبشوت وحياكتها، وكان يسمى بالعباءة والمشلح، وذكر من قديم الزمان، فقد وثق المؤرخ الإغريقي هيرودوت الدي عاش بالقرن الخامس قبل الميلاد وفي وصفه للزي العربي (العرب يلبسون عباءة ويربطونها بحزام)، ويعتبر البشت من أهم الأزياء التراثية التي تعبر عن المنطقة، وهو عنوان للوجاهة والزي المفضل للمناسبات الرسمية كالأعياد وحفلات الأعراس والعزاء والمنتديات الاجتماعية، ويصنع عادة من الصوف ووبر الجمال ويغزل ويحاك بمهارة أحسائية فائقة، ويستغرق صناعة البشت عادة خمسة عشر يومًا، وهناك أكثر من حرفي يعمل بالبشت، ولكل حرفي عمله الخاص سواء التطريز أو الخياطة من العمل الدؤوب، ومن أنواع البشت الملكي و»المخمس والمتسع»، ومنها المطرز بخيوط الذهب وغيرها، ويلبس البشت الأبيض للأعراس والمناسبات السعيدة، والأسود لجميع الأوقات، وهناك الأشقر الذي يتسم بالأناقة وبلون يتناغم مع ألوان بيئة المنطقة، وتشاهد الكثير من متاجر البشوت العريقة بسوق القيصرية القديم بالهفوف، وتصدر البشوت الأحسائية للدول العربية كافة وللخليج خاصة، وتعتبر الأولى بذلك نظرًا لجودة وشهرة البشوت، أو كما يسميها أهل الأحساء المشالح الأحسائية.
الأحساء عاصمة للسياحة
قرر المجلس الوزاري العربي للسياحة اعتماد الأحساء عاصمة السياحة العربية لعام 2019م، وقد استوفت المدينة كافة الشروط وشهدت نهضة شاملة بجميع المرافق التنموية واختيرت الواحة الخضراء كإحدى المدن التراثية من قبل منظمة اليونسكو العالمية، وتم تطوير الأماكن السياحية بأحدث الوسائل والترميم وفق المعايير التاريخية التراثية، حتى لا يتم طمس الهوية التاريخية، والسياحة صناعة وثروة، ومما لا شك فيه أن هذه النهضة السياحية ستعود للفائدة الجمة للمدينة، وهذا ما لمسته في بنية الأحساء، ويتوقع أن تكون الأحساء من أهم الوجهات السياحية، حيث تمتزج ما بين السياحية البيئية بواحات النخيل وجبل قارة، والسياحة التاريخية بمبانٍ وأسواق وحصون الأحساء، الإرث التاريخي الزاخر.
الأحساء واحة ثقافية
كما أن الأحساء واحة خضراء يانعة ذات بساتين النخيل الباسقة، فإنه أيضًا واحة ثقافية وأرض خصبة للمثقفين والشعراء والموهوبين، ونبحر بين القوافي لنجد للشعر فرسانه ونجومه الساطعة بالأحساء كطرفة بن العبد وابن المقرب العيوني، ومن المعاصرين الذي يطيب لي شعرهم الشاعر والأديب والدبلوماسي غازي القصيبي الذي لقب بسندباد الشعر وله الكثير من الروايات ودواوين الشعر، ومن أشعاره بالأحساء:
إلى أمي… الهفوف
أمَّ النخيل!… هبيني نخلةً ذَبُلتْ
هل ينبتُ النخلُ غضًّا بعد أن ذَبـُلا؟!
يا أمُّ… رُدّي على قلبي طفولَته
وأرجعي لي شبابًا ناعمًا أفِلا
وطهّري بمياهِ العينِ… أوردتي
قد ينجلي الهمُّ عن صدري إذا غُسـِلا
هاتي الصبيَّ… ودُنياه… ولُعبـَتـَه
وهاكِ عُمري… وبُـقيا الروحِ والمُـقَلاَ…
فالنخلة وعيون الماء حاضرة بالقصيدة الأحسائية وكيف وسعف النخيل في الاتجاهات الأربعة بالأحساء، ومن الشعراء الموهوبين المعاصرين ذوي الشهرة الكبيرة بعالم الشعر والقصائد من الأحساء الشاعر جاسم الصحيح (خصصت له مجلة العربي ملفًا شاملاً بعدد أغسطس 2017م)، وقد رأيت في أحد مقاهي الأحساء عبارة (زاوية الشاعر جاسم الصحيح: شاعر أعاد للقصيدة العامودية هيبتها، وأضاف على المليون باسقة من نخيل الأحساء باسقة أخرى). وهذا إن دل على شيء إنما يدل على شعبية الشاعر وعنفوانه وهو يبادل الأحساء بالتكريم والإعجاب، فمن عذوبة شعره بمدينة الأحساء… (هَجَرُ التاريخ)… إلى ما لا نهاية..
(أحساءُ) يا تمرةَ المحرابِ… يا امرأةً
مخلوقةً من دعاءِ الأُمِّ للوَلَدِ
أصفَى من الجمر قلبًا حين تُوقِدُهُ
للسامرينَ، ليالـي البَرْدِ والبَرَدِ
(أحساءُ) كم مرةً أنجبتِني؟ فلقد
نسيتُ من كثرة الميلاد كم عددي!!
ويقول الشاعر الصحيح أيضًا:
يا من تسائل عن بلادي
إنما ساءلت عني
فأنا من الأحساء جئت
وجاءت الأحساء مني
وفي إحدى المقابلات التلفزيونية مع الشاعر قال عبارة مهمة: «إن أهم محصول بالأحساء هو الإنسان، كيف لا فهناك الحرفي والمزارع والمعلم والطبيب والكل يدلو بدلوه لرفعة وطنه».
فهنيئًا للأحساء بأبنائها الذين حافظوا على تراثها ونخيلها وتغزلوا بمدينتهم تحت ظلال النخيل.
الفراق ونية العودة
ليس هي المرة الأولى التي أزور الأحساء أرض الخير والعطاء وإن شاء الله ليست الأخيرة، فمازال هناك الكثير الذي لم يسعني الوقت واكتشفه ومازالت تحتوي على الكثير من التاريخ والمعمار والتراث العريق الذي يحفزني للزيارة مرة أخرى، والأحساء مَن يأكل تمورها ويشرب من عيونها العذبة ويرتشف فناجين القهوة بصحبة أهلها فحتمًا له عودة للأحساء ■