
أمير بوخمسين
الكتابة عبر التاريخ لم تكن مجّرد أداة للتعبير فقط، بل كانت مرآة لوعي الإنسان، ووسيلته لحفظ التجربة الإنسانية وتطويرها. واليوم، يدخل هذا الفن العريق مرحلة غير مسبوقة من التحول، بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا، وأحيانًا منافسًا في صناعة المحتوى. الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على إنتاج آلاف الصفحات في دقائق، حيث تتزاحم النصوص دون معيار واضح للجودة. لينتج لنا انخفاضًا واضحًا في قيمة النص المكتوب، وتراجع أهمية الجهد الإنساني في نظر سوق صناعة المحتوي. قد يكتب الذكاء الاصطناعي بشكل متقن، ولكنه لا يملك روحًا ولا تجارب. ومع كثافة النصوص الآلية، يواجه الكاتب خطر ذوبان روحه ولمسته وصوته وسط أصوات مبرمجة، ملساء، خالية من التلميحات الإنسانية التي تمنح النص روحه، والمؤسسات الإعلامية، ودور النشر والمعلنين يبحثون اليوم عن المحتوى السريع والرخيص. هذا الاتجاه الاقتصادي يضع الكاتب الحقيقي في موقف صعب، هل يواكب العجلة؟ أم يحافظ على العمق!.
أشارت عدد من التقارير العالمية إلى أن مهن الكتابة والتحرير والصحافة تعد من أكثر الوظائف المهددة بالاستغناء عنها خلال العقد القادم. ومع ذلك، لا توجد استعدادات كافية من المؤسسات التعليمية أو الإعلامية لإحتواء هذا التحول.
وأشارت هذه التقارير إلى أن %75 من المؤسسات الإعلامية في العالم باتت تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتحرير الأخبار أو صياغة النسخ الأولية للتقارير. إن ثلث المحتوى الرقمي الجديد عالميًّا ينتج أو يعدل بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وإن أكثر من %40 من الشركات تخطط لتقليل الإنفاق على كتاب المحتوى خلال السنوات القادمة. الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عن التطور، ومع كل تحديث يصبح أكثر رعبًا، وأكثر قدرة على تقليد الأسلوب البشري.
وإن أي حديث عن منع أو إيقاف أو الحد من استخدام الذكاء الاصطناعي هو وهم سياسي وأخلاقي لا سند له، هذه هي الحقيقة. الذكاء الاصطناعي قد يتقن الأسلوب، ولكنه يعجز عن محاكاة التجربة. كيف يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الكتابة؟ أصبحت الكتابة والذكاء الاصطناعي يشكلان ثنائيًا مثيرًا يتطور بسرعة. فمع ظهور نماذج اللغة أصبح بالإمكان تعزيز قدرات الكتابة بطرق جديدة.. بعض النقاط الرئيسة حول هذا الموضوع، أنه يساعد في تحسين الإبداع، ويساعد في توليد أفكار جديدة، وتقديم اقتراحات تحسين، أو حتى كتابة نصوص كاملة بأسلوب معين. تسريع عملية الكتابة.. باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، يمكن للكتاب تقليل الوقت المستغرق في البحث وكتابة المحتوى، مما يسهل عليهم التركيز على الجوانب الإبداعية. ويمكن للذكاء الاصطناعي تحليل النصوص وفهم الأنماط اللغوية، مما يمكنه من تحسين أسلوب الكتابة، وتقديم ملاحظات دقيقة. وتخصيص المحتوى عبر مساعدة الكاتب في كتابة محتوى مخصص لجمهور معين، بنا ًء على بيانات، وتحليلات دقيقة. ويحث الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في الكتابة على مناقشات حول الملكية الفكرية وأصالة المحتوى، مما يتطلب وضع قواعد أخلاقية وفنية واضحة للاستخدام في مجال الكتابة، والتعامل معه بحذر. باختصار، الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة.
الكاتب الذي يحكي عن خوفه، طفولته، فقده، قلقه، مدينته، معاركه، انتصاراته… هذا كاتب لا يمكن للآلة أن تحل محله. في عصر الذكاء الاصطناعي، الكاتب المختص في السياسة، الاقتصاد، السلوك الإنساني، التفسير العلمي، أو الأدب التأملي فسيصبح أكثر قيمة.
والكاتب الذكي سيستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة لا كخصم، يستخدمه في جمع المعلومات، وترتيب الأفكار، واختصار البحث، ومراجعة الأسلوب، ثم يضع لمساته الإنسانية.
الذكاء الاصطناعي لن يلغي الكتابة. ولكنه سيلغي الكتابة الضعيفة، المكررة، المجانية، الخالية من الروح. وسيبقى فقط، الكاتب الصادق، الذي يملك تجربة، ويملك رؤية، الآلة قد تكتب جميلًا، ولكن الإنسان وحده يكتب صادقًا. سيفرز السوق نوعين من الكُتاب. كاتب يستسلم فيذوب داخل آلة ضخمة تصنع كل شيء. وكاتب يستثمر ذاته، تجربته، روحه، ووعيه، فيصبح أكثر ندرة، وأكثر قيمة.




