
مريم الرمضان
كعادة اللحظات المزدحمة النكِدة، وفي طابور انتظارٍ طويل لقطار اللعب في “البوليفارد”، باغتني ابني “مصطفى” —العائد لتوّه في إجازته الدراسية— بسؤالٍ خارق لا يتناسب مع صخب الجموع حولي:
“أمي.. ما الذي تؤمنين به حقًّا في التاريخ البشري؟”
سؤالٌ يُصيبك بـ “حَوَلٍ عقلي” في تلك اللحظة، ولكنه يستحق حيزًا من هدوءٍ مُختلس، لنحلّق به فوق سحابة بعيدة عن ضجيج الواقع.
لستُ ممن يتعصّبون لتاريخٍ بعينه؛ فأنا أتقبل التشوّهات الروائية، وأؤمن بأن الحقائق التاريخية ليست مطلقة.
ولكنني، يا بني، أؤمن بـ “السِّحر” الذي صنع هذا التاريخ. الناموس الذي أيقظ الإيمان، وحرّك الإنسان ليكتب سرّ الخلود.
أنا أؤمن بسحر الكلمة!
الكلمات ليست مجرد أصوات؛ إنها السلطة الأولى. كيف برأيك بقي “حمورابي” بيننا حتى اليوم؟ ليس بجيشه الذي فني، بل بمسلّته التي حُفرت عليها “كلمات” عبقرية نظمت مملكته.
القادة المخلّدون هم سحرة بيان، ترجموا أفكارهم إلى كلمات تحولت إلى إيمان، فتقاتل الرجال لأجلها وصنعوا الإمبراطوريات.
وحين يرحل القادة، تبقى كلماتهم.
قد يحاول الورثة إعادة صياغتها، ولكن إن غاب “سحر الكلمة” سقطت الإمبراطورية أمام كلمةٍ أقوى لقائدٍ آخر.
لذا، أجد متعتي اليومية في مراقبة أثر الكلمات.
في زمننا، لم تعد الخطابات الطويلة هي المحرك، بل تلك “المقاطع المقتطعة” التي تُنشر لتلامس إيمانًا مسبقًا لدى الجمهور.
وهنا أشعر بفيضٍ من الحزن المهني، حين أرى القيادات الحديثة تختزل النجاح في “لغة الأرقام” فقط!
نعم، “ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته”، وأنا لا أقلل من قيمة المعايير الكمية، بل إنني أستمتع —بحكم عملي— في تحويل “النوع” إلى “كم”.
فالرضا شعور (نوع) لا يُفهم إداريًّا إلا برقم (كم)، والنجاح قيمة لا تُقاس إلا بنسبة.
ولكن.. تذكر، أن تلك الأرقام ما كانت لتتنامى لولا قيادة أتقنت أولاً “سحر الكلمة”.
فالتركيز على الرقم وحده يجعلنا مجرد “جامعين للأرقام” فاقدين للمعنى.
الإنسان تُغيره الكلمات، حين تكون —كما وصفها الله— “كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء”.
فالتاريخ، والحاضر، والمستقبل، ليسوا سوى صدىً لكلماتٍ طيبة، وحّدت الصفوف، وألهمت الأرواح، وخلّدت الأثر.
فيا قارئي العزيز…
تذكّر، حين تعمل مع الناس، أنك بكلماتك تُشكّل قوة بشرية تصنع النجاح… أو تندثر كما اندثرت سلطاتٌ فقدت قوة الكلمة، حتى وإن بقيت مسلاتها في المتاحف.




