
أمير الصالح
في زمن العولمة الثقافية وهوس التكسب الرقمي، هل أضحت روابط الأخوة بين الإخوة تتلاشى برحيل الأب والأم (مؤسسي الأسرة)؟! هذا التساؤل تتبعه تساؤلات عدة، منها: ما دور رابطة الأخوة في استقرار الأفراد وبالتالي المجتمعات أثناء وبعد رحيل الابوين؟!
لعل البعض غير ملتفت لهكذا تساؤلات نظرًا لأنه لم يغترب أو لم يخرج من نطاق قريته ومدينته طوال حياته ولم يخضع لتجارب اجتماعية معينة تصقله في هذا أو ذاك الجانب. ولذا لا يعطي ذاك الشخص لهكذا تساؤلات أية أهمية أو انتباه، ولكن بقراءة متأنية نستطيع أن نشخص مصير مجتمعات كاملة بناء على قراءة مشاهد جزئية صغيرة micro، ولا سيما في زمن يعج بالسعي الدؤوب من قبل أفراد وعوائل عدة لتحسين دخلهم المادي والترفيهي والخدماتي دون أي توازن في الروابط.
وهذا المقال يعضد لجملة مقالات سابقة كُتبت في اطار تعزيز البناء الأسري الناضج ليكون الإنسان الفرد والأسرة والمجتمع وبالتالي الوطن في وضع أكثر تحصينًا من الزلل والتهشيم والانفلات والانكسار والأمراض النفسية.
حوار
دور الإخوة لدى البعض آخذ في الانحسار بناء على واقع المجتمعات الحديثة المعاصرة، ولا سيما في ظل العولمة الرأسمالية وتغيرات مواقع طلب الرزق وتأليه المال وعبوديتة لدى البعض، والاعتداد بالأرصدة البنكية للشخص والاطمئنان إلى قوة الراتب ومتانة المنصب …. إلخ؛ إلى جانب تخلى البعض عن إحياء مفهوم الأخوة في نفسه، وتنمر البعض على إخوته عبر الاستبداد/ التنمر/ التفرعن على إخوته/ أخواته نظرًا لقوة بدنه واعتداده بكثرة أمواله وقوة سطوته وتمدد سلطته وتنوع علاقاته والتفاف بعض المنافقين من حوله وكثرة المطبلين من المرافقين له أو تعدد ولائمة وسفراته مع من يوهمونه بأهميته لهم عبر تكاثر عدد متابعيه في تطبيقات السوشل ميديا.
(هارون أخي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) سورة طه، آية 31
يرى العقلاء أن الإخوة يشكّلون سندًا نفسيًا يخفّف على الانسان الضغوط المعيشية والعزلة الاجتماعية والروحية والنفسية. ويرى العقلاء أن
البديل الأنجع لضعف الروابط الممتدة عموديًّا بأفراد شجرة العائلة الكبيرة لوجود تناثر جغرافي لهم هو ترابط الإخوان وتواصلهم ومساندتهم كبديل عملي عن الأسرة الكبيرة المترامية الأطراف، وصمام أمان لتنشيط دورة الحياة الاجتماعية.
قد يمر البعض من الناس في ضائقة مالية طارئة وهنا لا محيص له سوى اللجوء بالاقتراض الحسن من الأقرب فالاقرب. والإخوة المقتدرون هم الأقرب؛ وحتمًا سيساهمون في احتواء الضغوط الاقتصادية على المبتلى من إخوتهم وتقاسم الأعباء المعيشية له حتى الخروج من عنق زجاجة ذاك الأمر الطارئ. وبذلك وجود الأخوة الصادقة بين الإخوة يحدّ من الاستجداء والاستجداء العاطفي للأشخاص الأباعد والأجانب عبر السوشل ميديا أو انضمامه لأصدقاء السوء، وكذلك حفظ الشخص من آثار التفكك الأسري وعدم المبالاة بالسمعة على الأفراد والعائلة، وتفادي أمراض الانطواء والاكتئاب والأفكار الوسواسية. فالروح تحب أن تحاط بأرواح طيبة، بشوشة، متفائلة ومساندة ومخلصة وصادقة. وأثبتت المدونات التاريخية أن الإخوة نعم العضد والسند لبعضهم البعض في مواجهة الكروب، ونعم العون على التصدي للانحرافات السلوكية والفكرية والعقدية ودفع الشبهات وحسم المواجهات ومنع الاختراقات ودفع شراء الذمم والتحصين من الأوهام وطرد أصحاب السوء ونبذ اتباع الأفكار الإرهابية والمنحلة والشيطانية.
المتابعون الافتراضيون
وجود إخوة أوفياء وعلاقة متينة بينهم، حتمًا سيعزّزون الاستقرار العاطفي ويحجبون الإنسان السوي عن التفكير في البحث عن متابعين له في العالم الافتراضي ولا سيما في زمن سيطرة العالم الرقمي وتمدد العلاقات الافتراضية عبر المحيطات. نعم الاطلاع المعرفي الناصج سيتيح للفرد فرصة التعرف على النبلاء وأهل المعرفة وكتاب الرأي والأقلام النظيفة، وهذا امر مشرف ومحبب للنفس.
أخ .. أخي.. أخيه
عند البحث في القرآن الكريم عن كلمة أخ تجد آيات عدة تتضمن كلمة أخ وأخي وأخيه … ولقد تفاجئت بكمية الآيات الكريمة التي تضمنت مفردة ” أخ” ومشتقاتها، فوردت كلمة أخ وهي تتناول قصة هابيل (ع) وأخية قابيل، وقصة موسى (ع) وأخية هارون (ع)، وقصة نبي الله يوسف (ع) وأخيه مع إخوتهما. والنتيجة أن أحسن أنموذج لرابط الإخوة هو أنموذج قصة نبي الله موسى (ع) وأخيه هارون (ع). ولعل اعظم قصة نجاح في إنشاء وتألق أمة الإسلام كانت مجسدة بالمؤاخاة والمؤازرة والتضحية، وذروتها كانت المؤاخاة بين نبي الله محمد (ص) والإمام علي (ع) والافتداء بالروح حتى انصهرت أنفسهم فعبر القرآن عنها (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ ……وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) سورة آل عمران، آية 61.
فليحيي كل منا ارتباطاته بإخوته وأخواته عبر: ترسّيخ ثقافة الحوار وحل الخلافات، وتجديد الأنشطة، ومنع القطيعة وخذلان الشيطان ووساوسه، فإن ذلك يدعم التوازن النفسي في الأفراد والمجتمعات التي تعاني من ضغوط الحياة وتزايد منسوب القلق.
والأخوة الصادقة تساهم في حفظ الهوية والانتماء والقيم أمام موجات التغريب والتغيّر الثقافي والنزاعات الفئوية. ومع تغذية هكذا محور أخوي من محاور العلاقات الإنسانية السامية فحتمًا يومًا ما سيشكّلون نواة للمبادرات الأسرية والاجتماعية المشتركة لمجتمع أكثر ترابطًا وتلاحمًا ومودة. فشل الأخوة يعني:
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ) سورة المائدة، آية 30، صفحة 112
ملخص الرسالة
أ- الأخوة ممتدة ومتجذرة، وأما الأصدقاء والمتابعون الرقميون فهم أمر عارض ويمكن تعويضه حيثما شئت.
ب- الصداقة والمتابعة الرقمية أمر عرضي قابل للتذبذب بناء على الترند؛ والتلاشي مع منحنيات الحياة أمر لا مفر منه. أما الأخوة فإنها خُلقت مع الإنسان وهي ممتدة طول حياته وشجرة إن تم الاعتناء بها فإنها تؤتي اُكلها عبر الأجيال.
ج- عامة الأصدقاء والمتابعين الرقميين ليسوا شرطًا للبقاء؛ ولكن الأخوة الصادقة عنوان عريض للمعاضدة والمساندة والمؤازرة. فلنهتم بإحيائها.




