
عماد آل عبيدان
البيضة التي لم أنتبه لها يومًا بوصفها بداية، ولا الرضيع بوصفه حلقة في مسيرة الحياة.
كانا في ذهني مشهدين
مألوفين
لا يطلبان تأملًا… ولا يحركان فضولًا.
هذه تجمع في عش أو سلة وذاك يضم إلى صدر.
نعمتان من نعم الله وبديعان من بديع خلقه.
نمر عليهما كثيرًا دون أن نتوقف طويلًا عند معناهما.
إلى أن وضعت المشهدين جنبًا إلى جنب وأنا أتحدث مع أخي عن ذلك في مزرعته، لا بقصد المقارنة،
وإنما بدافع سؤال بسيط:
ماذا يحدث حين تكون الحياة في أضعف حالاتها؟ وتبحث فقط عمن يبقى؟
في عِشّة (زريبة) الدجاج يجمع البيض من دجاجات مختلفة.
شكله متشابه ولكن قصته غير معروفة.
لا علامة تخبرنا من باضت هذه البيضة أو تلك.
وفجأة تقرر دجاجة أن تجلس (تَرُكُّ) عليه.
لا تبدي قرارها ولا تشرحه.
تجلس لأن شيئًا في داخلها تحرك.
غريزة تدفعها إلى قرار البقاء.
الحضانة هنا عمل مستمر والتزام طويل، يمتد أيامًا متتابعة، ويقوم على البقاء والانتباه اليومي والعودة المتكررة، ويحتاج صبرًا ومتابعة.
واحد وعشرون يومًا من البقاء من القيام والعودة ومن الأكل ثم الرجوع سريعًا.
كأنها تقول أتركك قليلًا ولكني لن أغيب طويلًا.
البيضة لا تطلب شيئًا ولكنها إن فقدت الدفء انتهى الاحتمال.
وفي مكان آخر بعيد عن الريش والقش يحدث مشهد قريب في معناه وإن اختلف في صورته.
أمّ ترغب بالرضاعة ولكنها عاجزة
وطفل يحتاج رضاعة ولا يستطيع أن ينتظر على جوعه، فيلهج بالبكاء المستمر.
فيدخل المشهد صدر آخر
صدر لا اسم له في بداية الحكاية ولا شبه، ولكنه يملك ما يحتاجه الطفل!
هنا لا يمنح دفءً فقط
بل تمنح فرصة للاستمرار
لأن الحياة لا تحتمل فراغًا ولا فجوة وأحيانًا لا تحتمل الانتظار.
العلاقة تقوم على المعنى لا على الصورة.
في الطيور تتحرك الغريزة بالحرارة.
وفي البشر تتحرك بالغذاء والطمأنينة والمناعة.
وفي الحالتين يتقدم من يستطيع أن يقوم بالأمر حين يعجز غيره عن القيام به.
اللافت أن الدجاجة لا تعرف شيئًا عن البدائل أو التقاسم.
إن استطاعت أن تغطي البيض فعلت.
وإن لم تستطع فسد بعضه.
الأمر واضح وبسيط.
بينما نحن البشر نكثر الكلام ونطيل التفكير ونتردد قبل أن نمد يدًا للمساعدة، رغم أننا نملك القدرة.
هذه المقالة لا تقول إن الإنسان كالدجاج، ولا إن الغريزة واحدة في كل الكائنات.
هي تقول إن الرحمة حين تكون صافية لا تنشغل بالأصل أو الملكية
وتركز على النتيجة.
في الزريبة إن كثر البيض احتاج الأمر إلى حضن واحد ثابت.
تعدد الأجنحة يربك الدفء.
وفي الحياة إن كثرت المسؤوليات
احتاج القادم إلى يد واحدة لا تتناوب عليه النيات.
ما بين بيضة تنتظر حرارة
وطفل ينتظر صدرًا
تظهر حكمة بسيطة وهي
أن الحياة حين تضيق خياراتها
تبحث عمن يستطيع أن يكمل.
وحين يوجد من يبقى
يكفي ذلك.



