أقلام

بيوت مضيئة … وقلوب منطفئة 

سامي آل مرزوق

في زمنٍ كان يكفي فيه أن يلتقي الناس في فناء الدار حتى تتصافح المشاعر قبل الأيدي، كانت البيوت تنبض بقدرة خارقة على جمع المختلفين تحت كتفٍ إنساني واحد. كان صوت الملاعق على الطاولة إعلانًا بأن العائلة اكتملت، وكانت النظرات تحمل رسائل تُغني عن الكلمات، وكانت الأحاديث تمتد حتى يشعر الجميع أن الليل خُلق فقط ليمنح قلوبهم فرصة التقارب. لم تكن العلاقات تُبنى على الحضور الحقيقي، على قدرة كل شخص أن يكون جزاءً من الآخر، بلا وسائط، بلا ضوضاء، بلا انشغال يأكل اللحظة.

ولكن العالم تغير بطريقة لم نتهيأ لها. دخلت التقنية إلى البيت كهدية صغيرة، ثم كبُرت حتى صارت ضيفًا لا يغادر، ثم تحولت إلى سيدٍ يجلس في منتصف كل غرفة. ومع الوقت، بدأ هذا الضيف يأخذ مكان الأشخاص أنفسهم. صار الأب يجلس بين عائلته، ولكنه يفتح عالمًا آخر في راحة يده. صارت الأم تمارس مسؤولياتها وهي نصف حاضرة، نصف غائبة، منشطرة بين شيء تفعله وشيء ينتظرها على شاشة مضيئة. وصار الأبناء وهم الأكثر هشاشة يتعلمون مبكرًا أن هناك عالمًا أسرع في الاستجابة من آبائهم، وأقل حكمًا من أمهاتهم، وأكثر اتساعًا من غرفهم.

وهكذا بدأ نوع جديد من الغربة يتسلل إلى البيوت، غربة لا ترفع صوتها، ولا تترك أثرًا واضحًا، ولكنها تسحب شيئًا صغيرًا من الروح كل يوم. يجلس الجميع قرب بعضهم، لكن أحدًا لا يقترب من أحد. تتجاور المقاعد وتبتعد القلوب. صارت الأصوات التي تخرج من الأجهزة أعلى من الأصوات التي يُفترض أن تخرج بين أفراد العائلة. وحين يصبح الضجيج الخارجي أعلى من العاطفة الداخلية، يتكون شرخٌ لا يسمعه أحد، ولكنه يزداد اتساعًا حتى يُنهك العلاقة نفسها.

هذا الشرخ لا يقف عند علاقة الآباء بأبنائهم، بل يمتد على العلاقة الزوجية التي تقوم عليها الأسرة كلها. فالزوج لم يعد ساحة للحوار، بل موقعًا يبحث فيه كل طرف عن مساحة يلوذ إليها حين يتعب. الزوج الذي يعود من يوم طويل يختبئ خلف هاتفه كمن يحتمي بقلعة من الضوء، والزوجة التي كانت تقرأ ملامحه قبل أن يتكلم أصبحت تقرأ شاشة تضيء بين يديه. وبين الطرفين، تتساقط تفاصيل صغيرة كانت في الماضي تصنع الأمان. سؤال بسيط، اهتمام عابر، ضحكة مقتسمة، لمسة تطمئن، كلمة تُقال قبل النوم.

ومع تكرار هذا الغياب، يصبح الزواج هشًّا دون أن ينهار، ضعيفًا دون أن يعلن ذلك، وكأن العلاقة تعيش تحت تنفسٍ اصطناعي لا يشعر به أحد. إن أخطر ما يتعرض له الأزواج اليوم ليس الخلاف ولا الصراخ، بل الصمت الطويل الذي يتحول إلى طبقة سميكة تعزل القلب عن القلب. وفي البحث عن تفسير، يؤكد علماء النفس أن الانفصال الوجداني أكثر قسوة من الانفصال المادي، لأن الأول يحدث بينما يظن الجميع أنهم “معًا”، بينما الحقيقة أنهم يعيشون في جزر متباعدة، لا تصلها جسور سوى إشعارات تتوه على أطراف الليل.

وتزداد الصورة تعقيدًا حين يدخل الأطفال في هذا المشهد. الطفل الذي لا يجد أبًا يصغي إليه، يلجأ إلى عالم يتسع له دائمًا. الطفل الذي لا يجد أماً تلتفت إلى حزنه، يتعلم أن يخفي حزنه كمن يخفي عيبًا. ثم يكبر هؤلاء الأبناء وهم يحملون فراغًا لا يعرفون له اسمًا، يبحثون عنه في صداقات عابرة، وفي اهتمام مؤقت، وفي أي علاقة تمنحهم ما لم يجدوه في البيت، الإصغاء الحقيقي. وهكذا ينتقل الإرث العاطفي الناقص من جيل لآخر، ليس لأن الآباء قساة، بل لأن العالم أصبح أسرع من قدرتهم على الحب.

ومن الطرف الآخر، يعيش الأزواج اكتئابًا صامتًا، فحين يفقد الشريك حضوره، يفقد البيت نبضه. والزوج أو الزوجة اللذان كانا يجدان في بعضهما ملاذًا، يصبحان مجرد شخصين يشتركان في الفواتير والمسؤوليات، لا في الإحساس. إن الغياب الهادئ الذي يمر بين الأزواج اليوم يشبه تسرب الماء في جدارٍ لا نراه. لا يلفت الانتباه، ولكنه يترك أثرًا لا يمكن إصلاحه بسهولة. يتحول الزواج إلى علاقة قائمة على استمرار الحياة وليس على مشاركة الحياة، وتصبح الأيام سلسلة من الواجبات تُنجز، لا لحظات تُعاش.

وهذا كله يقودنا إلى سؤال أصعب، ما لذي نريده من بعضنا؟ هل نريد وجودًا جسدي؟ًا يملأ المكان، أم حضورًا صادقًا يملأ القلب. هل نريد بيتًا فيه غرف كثيرة، أم روحًا واحدة تتسع للجميع. هل نريد حياة نعيشها سريعًا، أم حياة نشعر بها ببطء، بعمق، وبإنسانية.

ربما ما نحتاجه ليس معركة ضد التقنية، بل معركة من أجل القرب. نحتاج أن نتعلم أن اللحظة التي نصغي فيها لشخص نحبه أثمن من ألف رسالة، وأن الكلمة التي تُقال في وقتها يمكن أن تمنع عاصفة، وأن الجلوس مع الزوج أو الزوجة بلا مقاطعات هو حماية للعلاقة لا ترفًا. وأن الطفل الذي يرى أبويه يتحدثان بمحبة، سيتعلم تلقائيًّا معنى الطمأنينة قبل أن يتعلم الكلام نفسه.

فلنطفئ ضوء الهاتف أحيانًا، لنرى الضوء الذي نقصده حقًا. ولنفتح نوافذ القلب قبل شاشاتنا. فربما يكفي أن نمنح بعضنا عشر دقائق من حضور صادق لتعود سنوات من المسافة إلى مكانها الطبيعي، وربما يكفي أن نقترب قليلًا لنكتشف أن ما كسرته التقنية لم يكن أقوى من قدرة الإنسان على ترميم ما يُحب.

فهل نستطيع أن نعيد بناء الجسور بين الأزواج قبل أن تتهالك، وأن نعيد الأبناء إلى أحضان الحوار قبل أن يربيهم العالم وحده. وهل نمتلك الشجاعة لنقول لأنفسنا قبل غيرنا، نحن نحتاج إلى بعضنا أكثر مما نحتاج إلى أي شاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى