
أحمد الزيلعي
عرجت نخلةً ولائيةً رحمها الله.. “الزهران” (١)
• “أبغى أروح لدورية الزهران”
كانت جدتي لأبي تعزف اسمها كثيرًا – أسبوعيًّا أقلًّا -.. زهرة (الزهران) امرأةٌ من عباد الله الصالحين ونخلة باسقة بالعطاء لفاطمة الزهراء -عليها وأبيها وبعلها وبنيها أفضل الصلاة والسلام – من نخلنا النخلي .. امرأة صالحة بمعنى الكلمة. وفاءً لجدتي ولها رحمهما الله كتبت هذه الأبيات المتواضعة في حق من كانت مصداقًا أروعًا للرواية الشريفة “أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا”.
• بين يدي الأدب الأصيل
وقبل الوقوف على محاولتي المتواضعة أنقل الرثاء كما يليق الرثاء الذي نضد ورود حزنه أديبنا الأريب فضيلة السيد محمد حسين مبارك دام عطاؤه فهو الأحق بهذا المقام لعلمه وعلو كعبه الأدبي وأنه بن الحوش (الحي) المجاور للقبر النبوي الشريف الذي كانت تعيش فيه هذه المؤمنة الصالحة وهو حوش المغربي .. فبذلك هو أعرف بطريق العلم والأدب والجيرة إلى رثائها رحمها الله.
يقول -دام عطاؤه الرقراق بعبق الصفاء الروحي-…
قدوةٌ .. يا أم طاهر
في رحاب الآلِ رُحتي
فابشري يا أمَّ طاهرْ
أبشري بالخلد مفروشًا
بألوان الأزاهرْ
كل شبر من ثراك اليوم نور
في المقابرْ
في طريق الله أنتِ اليومَ قد
جزتي المعابرْ
إنه المولى حسين
جاء يهديك البشائرْ
فاشربي ماءً طهورًا طاهرًا
من كف طاهرْ
واذكري إذ كنتي للقربى
تعدين المآثرْ
لا تخافي اليوم من بؤس ولا من
ظلم قاهرْ
من بنى للآل بيتًا
ليس في الميزان خاسرْ
___
كم بذلت القلب للزهراء
ينبض بالمشاعرْ
كم صرفتي (زهرة ) العمر على
جمع المفاخرْ
كم نشرتي العطر من عمرٍ
من الأحسان عاطرْ
كم جمعت الحب للزاكين
في أعلى الذخائرْ
كم سكبتي الدمع حزنًا غامرًا
في يوم عاشرْ
كم ملأتي الحيَّ إلهامًا
وشيدتي المنابرْ
كم ملأتي القلب حبًّا صادقًا
لا بالمظاهرْ
كم مشيتي الدرب للمولى على
رغم المخاطرْ
كم حملتِ الحزن في قلبٍ
على الأعباء صابرْ
كم فتحتِ الباب جودًا
للأكابر والأصاغرْ
لم تهابي في ظلام الدرب من
حقدٍ لغادرْ
كنتي للحاضر أنسًا
ودعاءً للمسافرْ
كنتي قطبًا للرحى بين الأوائل
والأواخرْ
كنتي سرًّا قد تجلى
في نقيَّات السرائرْ
___
لا تهابي في ظلام القبر من
عمق الحفائرْ
واعلمي أن الوصي المرتضى
في القبر حاضرْ
نورك الأبلج وضّاءٌ على
كل النواظرْ
مثلما قد كنتِ في الأحياء
تحين الشعائرْ
قبرك اليوم سيبقى نيِّرًا
بالذكر عامرْ
وسنبقى كلما مرت على الذكرى
خواطرْ
نذكر الماضي حنينًا نحو أمسٍ
كان غابرْ
___
قد رأينا فيك إنسانًا على
الأحسان شاكرْ
وفهمنا منك درس الحلم
لو دارت دوائرْ
وتعلمنا بأن المرء يوزن
بالمخابرْ
كم لمحنا بين عينيك الهدى
لذوي البصائرْ
قدوة قد كنتِ للأحرار فينا
والحرائرْ
كنتِ كالشمعة فينا شعلةً
يا أم طاهرْ
• على سفح طور الشعر
وعلى تخوم هذا النص الراقي تأتي محاولتي المتواضعة التي جاشت بها النفس حين سمعت خبر وفاتها حيث حرك القريحة صورتها التي رسمتها في ذاكرة الزمن، أنها كانت تحي ليلة الجمعة للنبي والعترة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مهما كانت الظروف وأيًّا كان الحضور لو وحدها مع بناتها ربط المولى على ذويها بالصبر والسلوان وطيب الله ثراها وأسكنها فسيح جناته مع محمد وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -.
في القصيدة أحاورها عن إحيائها أخر ليلة جمعة حيث وافتها المنية يوم الجمعة الموافق 6 رجب 1447هـ .. فأقول:
“زهران” (١) يا شمس الولاء بجمعتي
ختمًا بطعم هنا سقتك بتولتي
هي فاطم الزهراء روحك بنتها
يا أمَّ طاهر دمعةٌ بشريتي (٢)
نبعًا ليالي جمعةٍ كانت على
مرِّ السنين، نشيدها يا خيمتي
فالمغربيُّ غدير حوشٍ سوحهُ
في صبخةٍ كنت الوفاء لعترةِ (٣)
نامي بقيعٌ زينبٌ فيه ندًى (٤)
خَبَزَ الزكي مضيفه يا روعتي
____
قولي عن الإحياء آخر ليلةٍ (٥)
هل كان أحمد عندك يا قدوتي؟
هل كان حيدرهُ خطيبًا وقتها
عن فاطمٍ عن نوحها يا جذوتي؟
فرش السخا حسنٌ مضيفاً للمدى
سبط النبي سقاك شهد الخدمةِ؟
قولي حسينٌ ويل قلبي هل أتى
هل جاءكم رأسًا بكفِّ الغربةِ؟
وعباءة الحوراء كانت بالعنا
مغبرةً تُكسى رماد الخيمةِ؟
عن ساجدٍ عن باقرٍ عن صادقٍ
أم البنين أتوا إليك بشمعةِ؟
أَسَقَيت أطفال الطفوف دموعك
من كوثر الأحداق نهر وفيةِ؟
____
من جدتي أرخيت نسج مسافعٍ(٦)
ها قد أتتك لهفةً يا عجوتي
قولي لها قلبًا رعيت جذوره
من شوقه صاغت جواه جمرتي
…
هامش
1. اسمٌ اشتهرت به المؤمنة المُرثاة بهذه القصيدة.
2. البشرية اسم حي كانت تسكنه رحمة الله عليها
3. حوش المغربي أحد الأحواش التي كانت قرب الحرم النبوي الشريف وهو عبارة عن حلقة بيوت لها بوابة رئيسة تغلق ليلاً وهو المكان الذي سكنته المؤمنة طيب الله ثراها أيضًا. وكذلك الصبخة اسم منطقة قريبة من بيتها العامر بذكر الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وآله الطاهرين.
4. على رأي أحد فضلائنا دام عطاؤه أن قبر السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليهما السلام ..وعمومًا والاختلاف في الرأي لا يفسد الود قضية كما يقال فهي الحوراء التي مشرن عبق الطف إلى ما لا نهاية…
5. المقصود ليلة الجمعة الأخيرة التي قضتها في احياء دوريتها الأسبوعية (سميت دورية لأنها تعقد بعد دورة أسبوع كامل في محدد أسبوعيًّا).
6. المسفع هو اسم لحجاب من قماش مخصوص يلبسنه حريمنا في المدينة سابقًا




