
السيد فاضل آل درويش
الحوراء زينب (ع) كيان متكامل من الوعي الفكري والقدرة على النظر الدقيق في الأمور والمواقف والبصيرة في اتخاذ المواقف الحاسمة والقرار المناسب، كما أنها تبرز (ع) كجنبة إيمانية خالدة بما حملته من سلوك وسيرة اتّسمت بالخوف من الله تعالى والقرب منه في محراب العبادة والطاعة، حاملة بين جنبيها معاني وقيم ومضامين الصلاة والأدعية الأخلاقية والروحية وتجلّى ذلك في منهج الثبات والاستقامة والنزاهة النفسية عندها من الرذائل والمعايب، وحملت راية التبليغ الرسالي وإيصال الأحكام الشرعية ومعاني الآيات القرآنية في حلقات دروس للنساء تبعث الوعي والرشد وتهذيب النفس، وسيرتها الغراء نضّاحة بسمة الإرادة القوية والهمة العالية، وهذا ما تجلّى في مواقف وقفت فيها كالجبال الشامخة، وهذا الثبات من ثمار إيمانها بالله تعالى وحكمة تدبيره لشئون عباده والرضا بقضائه، فالابتلاء سنة إلهية لا استثناءات فيها لأحد من البشر ليمتاز أصحاب الهمم العالية والصبر عمن يتهاوى سريعا في أتون التشاؤم والقنوط والسوداوية في النظرات المستقبلية، فالقيمة الحقيقية تكمن في الدور التاريخي والإنساني الذي أدّته وفي المقامات الروحية والعقلية التي بلغتْها بجهدها وروحها الإيمانية وصبرها وهمتها العالية.
إن أبرز منابع العظمة في شخصية السيدة زينب (ع) هو وعيها الرسالي العميق، فقد نشأت في البيت الذي كان مدرسة للوحي والفكر والتوعية، فنهلت من روح القرآن الكريم ومن نَفَس النبوة والحكمة العلوية والعَبَق الفاطمي، ولكنها لم تكن مجرّد متلقّية للمفاهيم بل كانت حاملة لرسالة مؤثرة، وهذا الوعي هو الذي جعلها تقف في قلب الأحداث لا على هامشها.
ومنابع العظمة تتجلّى أيضًا في موقفها البطولي الذي لم يعرف التردّد، فقد واجهت أشدّ اللحظات رعبًا وألمًا في كربلاء، فقدت الإخوة والأبناء والأحبة والأحبة وشهدت ملحمة الدم ومع ذلك لم تنهَر ولم تستسلم للانكسار النفسي والوجداني، كانت تمسك بخيوط الصبر وتحوّل المأساة إلى منبر حقّ واختارت الخلود بالكلمة والمواقف الشجاعة.
لقد أثبتت أنّ المرأة ليست كائنًا هامشيًّا في مسار التاريخ بل يمكن أن تكون صانعة للوعي ومستنهضة الفكر والهمم عبر الأجيال، بما حملته كلماتها ومواقفها من مضامين ودروس يُستلهم منها النضج الفكري ومعالم الفضيلة.
ومنابع العظمة في السيدة زينب (ع) تمتد إلى التزامها المطلق بالقيم الإلهية وروح الرسالة المحمدية، فهي أنموذج الإنسان الكامل الذي يجمع العبادة بالعمل والزهد بالحضور الاجتماعي والروحانية بالشجاعة، لم تفصل بين الدين والحياة بل عاشت الدين مسؤولية وموقفًا، وهذا ما جعلها رمزًا أخلاقيًّا وإنسانيا، لقد قدّمت السيدة زينب (ع) أنموذجًا حضاريًّا للمرأة المسلمة لا ينحصر في البيت ولا يذوب في المجتمع، بل يشارك في بناء الوعي ومشروع إصلاح مستمر، ولهذا بقيت حيّة في الضمير الإسلامي تتجاوز حدود الزمن والمكان، وتلهم النفوس الأبية في طريق نضج الوعي وتجليات الإيمان والثبات في المواقف.




