أقلام

ضريبة

عماد آل عبيدان

كانت أمّه تقول له وهو صغير:

“إذا ما حضرْتْ، بيخلوك تاكلها بغيابك.”

ولم يكن يفهم لا الفعل ولا المفعول. ولكنه كبر وفهم.

جلس “قيس” في دكانه الصغير الذي لا بيع فيه إلا القليل جدًّا، يفتح كل صباح فيرصّ بضاعته بالطريقة المعتادة نفسها، ثم يغلق عند الغروب… بنفس الطريقة.

لم يكن فقيرًا ولا محتاجًا ولكنّه كان “متّهمًا” دائمًا.

ما تراه الناس فيه يصنف حسب غيابه لا حضوره. إن ابتسم قالوا: “يتصنّع الطيبة”. وإن سكت قالوا: “مغرور ما يسلم وما عنده أخلاق!”. وإن غاب ولم يأتِ قالوا: “أكيد مسوّي شي… أو يمكن منحاش وخايف من شي!”

مرّة سافر قيس إلى الحج دون أن يُخبر أحدًا. وعندما عاد وجد أن الناس قد وزّعوا ميراثه الاجتماعي قبل أن ينزل من الطائرة:

خاله قال: “صارت له مشاكل مع جماعة فلان.”

جاره قال: “ترك ديرته لأنه مو مرتاح من نظرة الناس.”

وصاحبه القديم حلف أن السبب “قضية أخلاقية”… وأنه يعرف التفاصيل!

ولم يسأل أحدًا منهم — ولا واحد — عن الحقيقة.

ولكن المضحك؟

أن أحدًا لم يكن يكرهه عن معرفة إنما عن سوء فهم متوارث عن سوء فهم أقدم.

كأن الحقد انتقل من خلية إلى خلية دون أن يتحقق أحد من التحليل المخبري.

مرت سنوات.

كبرت فيها ألسنة وانكمشت قلوب.

ومع الوقت صار قيس ظاهرة. ظاهرة الغائب الذي تحاك عنه القصص. الغائب الذي يصلح لتفريغ أحقاد صغار النفوس حين تغلق عليهم الحياة أبوابها.

ثم جاءت الحادثة التي لم تكن في الحسبان:

دخل لص في ليلة خريفية إلى بيت معروف في الحي. لم يصب أحد ولكن كاميرات الجيران التقطت صورة ضبابية للص والتي كانت في ملامحه شيء من قيس أو هكذا تخيلوا.

وفي الفجر انتشر الخبر كالنار في هشيم السوشال ميديا:

“قيس؟! سرق؟! عرفنا إنّه مو سوي ولا هو عدل هالسربوت من زمان.”

ضحك قيس، ولم يدافع.

حتى حين أتت الشرطة وأثبتت أنه خارج المدينة ليلة الحادثة.

ضحك وقال لجاره:

ــ هل رأيت؟! حتى ذنوبي… صارت ترتكب بالوكالة!

في إحدى الليالي كتب قيس بعض كلمات على حسابه القديم:

“تكلموا عني في غيابي فأخذوا ذنوبي… أغبياء حتى في حقدهم أستفيد.”

ولكنه كتبها لا ليرد بل ليُنهِي. ليضع نقطة آخر سطر في رواية كتبوها باسمه ولكنه لم يقرأ منها يومًا حرفًا.

اليوم — في السوق نفسه— لا يزال دكان قيس يفتح صباحًا ويغلق عند الغروب.

لكن الناس تغيروا.

بعضهم رحل وبعضهم نضج والبعض الثالث … سمع القصة الحقيقية عن قيس ولم يصدقها! لأنه اعتاد على روايات الخيال.

وأما قيس؟

فقد تعلم أن بعض الحكايات لا تستحق أن تروى وأن بعض الغيابات … هي أعظم حضور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى