أقلام

زينب (ع) والعلم الحضوري: شهادة إمامية في وعيٍ استثنائي

د. حجي الزويد

تمهيد: شهادة إمامية في مقام الوعي

يمثّل قول الإمام السجاد (ع) للسيدة زينب (ع): «و أنتِ بحمدِ الله عالِمةٌ غيرُ مُعلَّمة، وفهِمةٌ غيرُ مُفَهَّمة» إحدى أعمق الشهادات المعرفية في التراث الإسلامي، لما ينطوي عليه من كشفٍ دقيق عن طبيعة خاصة من الوعي لا تُدرك بأدوات التعليم المألوفة، ولا تُختزل في تراكم المعارف أو حفظ النصوص. إنّه توصيف صادر عن إمامٍ معصوم، لا بوصفه ثناءً عاطفيًا، بل باعتباره تشخيصًا معرفيًا ووجوديًا لمقام فريد.

أولًا: من التعليم إلى الحضور – طبيعة العلم اللدُنّي

إن العلم الذي يشير إليه الإمام السجاد (ع) ليس علاقةً خارجية بين معلِّم ومتعلِّم، ولا هو نتاج اجتهاد ذهني أو تحليل منطقي، بل هو حضور للمعنى في النفس حضورًا مباشرًا، بحيث يصبح الفهم جزءًا من الكيان لا معلومة عارضة عليه. السيدة زينب (ع) لم تُوصَف بالعلم لأنها امتلكت أدوات التحليل فحسب، بل لأنها كانت تمتلك قلبًا مهيّأً للتجلّي، صافياً من شوائب الأنا، فصار الوعي فيها فعلًا إلهيًا لا مجرّد جهد بشري.

ثانيًا: «فهِمة غير مفهَّمة» – الفهم بوصفه كشفًا وشهودًا

يتجلّى البعد العرفاني العميق لهذا القول في شطره الثاني، حيث يميّز الإمام السجاد (ع) بين فهمٍ يولد من الشرح والتفسير، وفهمٍ يتولّد من الكشف والشهود. هناك من يُفهَّم فيفهم عبر الوسائط، وهناك من ينكشف له المعنى فيفهم بلا واسطة، لأن الحقيقة تحضر في قلبه حضور النور في المرآة الصافية. وهذا المقام لا يُنال إلا حين تتحرّر النفس من ثقل التعلّقات، ويتطهّر الباطن من مركزية الذات.

ثالثًا: سياق كربلاء – الوعي في ذروة الانكسار

لا يمكن فصل هذا الوصف عن سياقه التاريخي والوجودي؛ إذ صدر بعد كربلاء، في ذروة الانكسار الظاهري، وبعد أن شهد الإمام السجاد (ع) مواقف السيدة زينب (ع) وخطاباتها ورؤيتها للأحداث. فما صدر عنها لم يكن صدى لحزنٍ عاطفي، ولا ردّ فعلٍ نفسي آني، بل كان تعبيرًا عن وعيٍ متكامل يرى الحدث في أفقه الإلهي، ويقرأ المأساة بوصفها حلقة في مسار الحق لا قطيعة معه.

رابعًا: زينب (ع) وصناعة الوعي الرسالي بعد كربلاء

من هنا تتجلّى الأبعاد الرسالية العميقة لهذا الوصف؛ فالسيدة زينب (ع) لم تكن مجرّد شاهدة على التاريخ أو ناقلة لأحداثه، بل كانت صانعة وعي تاريخي في أخطر مراحله. لقد حملت الرسالة بعد كربلاء، وأعادت تأويل الحدث للأمة، فحوّلت الدم إلى خطاب، والمأساة إلى حجّة، والهزيمة الظاهرية إلى نصرٍ معنوي خالد.

خامسًا: العصمة المعرفية – مقام بين الإنسان الكامل والإمامة

كما يفتح هذا القول أفقًا مهمًا في علم الكلام، إذ يحدّد مقامًا خاصًا يمكن تسميته بالعصمة المعرفية أو البصيرية؛ وهي عصمة في الفهم والتشخيص ورؤية الحق، لا في مقام التشريع أو الإمامة. فالسيدة زينب (ع) لا تخطئ في قراءة الحق والباطل، ولا تنحرف في تفسير الحدث الإلهي، لأنها ترى بنورٍ من الله، لا بميزان المصلحة أو الانفعال.

سادسًا: البعد التربوي – أنموذج الإنسان الرسالي الواعي

وفي البعد التربوي والإنساني، يقدّم هذا الوصف نموذجًا بالغ العمق للإنسان المؤمن، رجلًا كان أو امرأة، مفاده أن الكمال الإنساني لا يُختزل في المناصب ولا في الألقاب ولا في القوة الظاهرة، بل يتحقّق بصفاء القلب، وصدق العبودية، والارتباط العميق بالله.

خاتمة: فلسفة المعرفة الرسالية في زمن الانكسار

وهكذا يتّضح أن قول الإمام السجاد (ع) ليس مجرّد شهادة في فضل السيدة زينب (ع)، بل بيان في فلسفة المعرفة الرسالية، وتعريف بمقام الوعي الذي تُحفَظ به الرسالات في زمن الانكسار. لقد كانت زينب (ع) عقل كربلاء الواعي، ولسانها الناطق، وضميرها الحيّ، لأنها كانت عالِمة بالله، فهِمة في الله، ناطقة بالحق، شاهدة على التوحيد، في لحظةٍ كان فيها الصمت خيانة، والجهل هلاكًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى