
السيد فاضل آل درويش
ورد عن الإمام الصادق (ع): (أورَعُ الناس من وقف عند الشبهة)(الخصال ص ١٦).
هذه الحكمة تشير إلى معلَم مهم في الشخصية الإيمانية وبنيته القيمية، إذ أن مفهوم الورع يعني إضاءة العقل والقلب بالخوف من الله تعالى والوقوف عند الخطوط الحمراء للشريعة المقدسة، وكل منزلَق أو باب يفتح طريقًا ومسارًا نحو ارتكاب الموبقات فيغلقه المؤمن درءًا لخطوات الشيطان الرجيم، وهذا ما يفتح الحديث حول محاولة البعض تغليف المعاملات المحرمة كالرشوة – مثلًا – بإلباسها لباس التكريم والإكرامية والهدية، مقابل إتمام معالمة بالتأكيد تأخذ مسار الاشتباه ومخالفة القوانين، وكالتواصل غير المنضبط الذي لا يصل إلى الحرام الصريح ولكنه يهيّئ أجواء الانزلاق ويضعف الحياء، ومثل موظف يمكنه أن يلتزم بعمله كامل الالتزام ولكنه يُبطِّئ عمدًا لأجل مصلحة شخصية، وهنا يبرز سور الضمير اليقظ ودوره في الحفاظ على لباس التقوى والاستقامة والنزاهة وتجنّب الانزلاق في مهاوي حفر المكر الشيطاني، فالسلوك الفردي يتزين بوجود الإضاءة العقلية والنبض النفسي الواعي بمخاطر دروب الحياة وما يواجهه الإنسان من إغراء وتزيين شيطاني للسقوط في أُتون الخطايا.
يضع الإمام (ع) مفهومًا للورع يشمل التمنّع وتجنّب السقوط في الآثام وإغلاق الأبواب المؤدية إليها، فالورع حسٍّ داخلي يقظ يمنع الإنسان من الاقتراب من مواطن الغموض الأخلاقي والشرعي، فالمعنى الجلي للورع هو اجتناب ما هو مقطوع بحرمته، وكذلك اجتناب ما يُخاف منه الوقوع في الحرام والشبهات المؤدية بعد الانجرار شيئًا فشيئًا لبؤرة المحرمات، بهذا المعنى يصبح الورع حماية للضمير، وصيانة للإنسان من الانزلاق التدريجي نحو الخطأ.
الشبهة هي المنطقة الحدّية بين الحلال والحرام حيث لا يتضح الحكم أو يحتمل الانحراف، هذه المنطقة خطرة لأنها قد تُطمس فيها البصائر وقد تتحول إلى مبرر للسقوط الأخلاقي عبر التبرير الذاتي للنفس، فالورع والاستقامة ليست في ترك الواضح من الحرام فقط بل في امتلاك الشجاعة الروحية والتربوية للتوقف حين يغيب الضوء، فالورع موقف وعي ومسؤولية إذ يحترم الإنسان مسؤوليته أمام الله تعالى وأنه لا يريد أن يجعل شهواته ومصلحته وضغوط المجتمع معيارًا للحكم الأخلاقي.
الامتحان سنة إلهية تجري في العباد للتمييز بينهم والفرز العملي لمن اتّقى والتزم سمت الورع في خطاه وعلاقاته وتصرفاته ومن سقط ضحية بين أنياب المكر الشيطاني، وميدان المصالح الضيقة والمكاسب المغرية والمغلّفة بعناوين الشبهات، في وسط هذه العواصف يعمل الورع كدرع واقٍ لأنه يفرض على الإنسان أن يسأل نفسه قبل أية خطوة، حول سلامة ونظافة هذه الخطوة والتوقف الواعي بدلًا عن الانجراف السريع المدعوم بتبريرات وهمية.
يؤكد الإمام الصادق (ع) على دور الاحتياط الواعي بما يحمي صاحبه أثناء التطبيق العملي من الاستغلال والالتواء، حيث يبني داخل الإنسان رقيبًا ذاتيًا فيقف عند الشبهة ويتعلّم ضبط الرغبة وتحكيم العقل قبل العاطفة، هذا التهذيب المتكرر يصنع ضميرا حيّا يصبح جزءًا من شخصية الإنسان وسلوكه وممارساته اليومية.




