أقلام

كيف يُساعد الوعي البصري الدماغ على التركيز والانتباه

المترجم : عدنان أحمد الحاجي

هذه الدراسة (1) التي نشرت في مجلة ناشر Nature حلت لغزًا قديمًا حير الوسط العلمي كان يدور حول العمل التفاعلي بين الانتباه (انتقاء الدماغ للمعلومات الحسية ومعالجتها). والوعي البصري (أي ما إذا يستطيع المرء أن يرى شيئًا ما بوعي) (2))، وتفتح آفاقًا جديدة لفهم الوظائف الإدراكية ونقاط ضعفها.

لابد من ملاحظة أن الإدراك البصري هو معالجة الدماغ اللاشعورية للمدخلات البصرية، بينما الوعي البصري هو جزء الإدراك البصري الذي نلاحظه بالفعل. أما الانتباه فهو ما يعطيه الدماغ الأولوية أثناء هذه المعالجة ويركز عليه.

لم تكن الأوساط العلمية متأكدًة من كيف يعمل الانتباه والوعي البصري معًا. الفكرة هي هل الوعي البصري مطلوب حتى يكون المرء منتبهًا وهل العكس صحيح.

قد يكون المرء واعيًا حسيًا تمامًا بشيء دون أن يوليه انتباهًا (مثلًا، قد يسمع موسيقى في الخلفية أثناء انشغاله بحديث مع شخص أو أشخاص). كما يمكنه أيضًا أن يولي انتباهاً تامًا لأحد الأشياء دون أن يصبح واعيًا بصريًا بها (مثلًا، قد ينتبه إلى إشارة مرور حمراء قبل أن يدركها بصريًا).

طالما شُبِّه الانتباه بـ”بؤرة نور من كشاف ضوء” ذهنية ثابتة، فبمجرد توجيهها نحو شيء مهم، تبقى عليه ثابتة وتتجاهل كل ما عداه. إلا أن الدراسات الحديثة كشفت أن هذه الفكرة غير صحيحة، وأن هذه البؤرة ليست ثابتة؛ بل يتذبذب الانتباه بمعدل منتظم (4 – 8 هرتز في الثانية لدى البشر والقردة) وتُحلل المعلومات، حتى لو كانت هذه البؤرة مركزة على شيء واحد (معلومة واحدة)، فإن الدماغ يعمل، في الواقع، مسحًا سريعًا للمعلومات على شكل ومضات قصيرة.، حيث قد يلقي الدماغ في هذه اللحظات القصيرة نظرة سريعة على المعلومات الأخرى القريبة قبل العودة إلى الشيء (الهدف) الرئيس.

بالرغم من التقدم المحرز في فك شفرة الأساس العصبي لنشاط الدماغ المسؤول عن هذا المسح التلقائي المتكرر والمنتظم لانتقاء المعلومات المهمة للإنتباه (من 4 إلى 8 هيرتز) (أي هل يتحقق الدماغ سريعًا وبشكل دوري من أشياء كثيرة، حتى لو لم يعِ بصريًا ما يتحقق منه)،

إلا أن علاقته بالوعي البصري ظلت غير مستكشفة قبل هذه الدراسة. سعى الباحثون للإجابة على السؤال التالي: هل يمكن للدماغ أن يقوم بالمسح المنتظم والمتكرر دون وعي بصري؟ (حتى عندما لا يكون المرء واعيًا لما يلاحظه أو يراه؟). وبعبارة أخرى، هل يعمل الانتباه في الخلفية، دون أن تلاحظ ما تعي بصريًا؟ إذا كان هذا صحيحًا، فما دور الوعي البصري؟ وما تأثيره؟ هل يجعل الإدراك البصري عملية المسح المتكرر والمنتظم أوضح، أو أكثر تركيزًا، أو أبطأ؟ أم أن دوره يقتصر على ما تنتبه إليه؟ وليس ما إذا كان المسح يحدث من الأساس؟ (أي هل يُحدد الوعي البصري أي المعلومات التي تحقق منها وبذلك تصبح منتبهًا لها؟)

وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يؤثر الوعي في هذه العملية؟ وبعبارة أخرى هل يعمل الانتباه دون وعي بصري؟ لم تبين الدراسات السابقة ما إذا كان الوعي البصري شرطًا لحدوث هذا المسح المتكرر للانتباه، أم كيف يؤثر الوعي فيه.

“الوعي البصري (المقصود هنا هو ما إذا يستطيع المرء أن يرى بوعي) لا يبدأ الانتباه ولا يوقفه. بل يتحكم في توقيت الانتباه ودقته وتناغمه في الدماغ.” وفقًا لما قاله الدكتور يانغ فانغ Yang Fang، المؤلف الأول للدراسة،” حيث يجعل الانتباه أكثر مرونة وانتقائية وكفاءة من خلال تحسين اختيار المعلومات، حيث يُصبح الدماغ أكثر قدرة على انتقاء ما هو مهم ويتجاهل المشتتات.” ببساطة، الوعي البصري يُحسّن الانتباه، ولا ينشئه.

تفتح هذه الدراسة نافذة جديدة على التفاعل الديناميكي بين الانتباه والوعي البصري. فهي تعمق فهمنا لدور الوعي البصري في انتقاء المعلومات المهمة من سيل المدخلات الحسية (من البصر في هذه الحالة) من أجل الانتباه، كما تساعد نتائج الدراسة على فتح مسارات جديدة لدراسة الآليات العصبية الكامنة وراء قصور الانتباه من منظور التفاعل بين الوعي البصري والانتباه، حيث يمكن الآن دراسة مشكلات (صعوبات) الانتباه ليس فقط على أنها مشكلة تدور حول تشتت الانتباه، بل على أنها مشكلة في طريقة عمل الانتباه والوعي البصري معًا. وهذا قد يساعد في تفسير عملية قصور الانتباه (مثل صعوبة التركيز) من خلال زاوية جديدة، مثل احتمالية اخفاق الوعي البصري في توجيه الانتباه بشكل صحيح؟

وباختصار تشرح هذه الدراسة كيف يتكامل الوعي البصري والانتباه، وماذا يحدث بعد هذا التكامل. فالانتباه يراقب كلما يدور في الحول، والوعي يساعده في انتقاء ما المهم منه.

يستخدم هذا الشكل “عيون الحقيقة النارية (3)” الشهيرة لسون ووكونغ (ملك القرود) كاستعارة لأخذ عينات من عملية الانتباه المنتظمة والمتكررة، موضحًا كيف يُعدِّل الوعي البصري هذه العملية. تُصدر عيون سون ووكونغ النارية إشارات مركزة تشبه الأشعة باتجاه جبل جليدي – نصفه ظاهر فوق سطح البحر (حالة الوعي البصري) ونصفه الآخر مغمور تحته (حالة اللاوعي البصري). تُنتج الأشعة التي تستهدف الجزء الظاهر (من الجبل) هالات أسرع وأكثر سطوعًا، بما يتوافق مع أخذ العينات المُسرَّع والمُحسَّن بواسطة الوعي البصري. في المقابل، تُنتج الأشعة المُوجَّهة إلى الجزء المغمور (اللاوعي) هالات أبطأ وأقل سطوعًا، مما يعكس أخذ العينات الأساس الذي يستمر دون وعي. (صورة من إعداد الدكتورين جيانغ يي ويانغ فانغ)

الهوامش

1- https://www.nature.com/articles/s41467-025-64987-7

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/إدراك_بصري

3- https://ar.wikipedia.org/wiki/الملك_القرد

المصدر الرئيس

https://english.cas.cn/newsroom/research_news/life/202512/t20251218_1137811.shtml

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى