أقلام

إلا اللم

حسين الحاجي

العنوان مستوحى من التعبير القرآني البليغ ( إِلَّا اللَّمَمَ ) وهو وصف رحيم للأخطاء الصغيرة التي يقع فيها الإنسان من غير قصد ولا إصرار ولا تتحول إلى عادة أو سلوك دائم بل تحدث ثم تزول وبمعنى آخر اللمم هو الزلة الخفيفة أو الخطأ العابر الذي يمكن إصلاحه بسرعة إذا وُجد الوعي والرغبة في التصحيح وهو لا يُسقط قيمة الإنسان ولا يمحو إحسانه ما دام لا يكرر الخطأ ولا يُكابر عليه.

أغلب الخلافات الكبيرة لا تبدأ فجأة ولا تنشأ من قرار متعمد بل تبدأ من أمر بسيط ( لممٍ صغير ) : كلمة قيلت في وقت غير مناسب أو سكوت لم يأتي في وقته أو رأي تشبث به صاحبه دفاعاً عن الكرامة لا عن الصواب هذا الشرخ الخفيف كان يمكن إحتوائه وترميمه بسهولة ، لكنه حين يُهمل ويُترك بلا علاج وحين يُصعد يتحول من خلاف عابر إلى جدار يفصل القلوب ويصعب هدمه مهما حسنت النيات لاحقاً .

الخلاف بين الناس أمر طبيعي سواء كانوا أصدقاء أو أقارب أو زوجين ولا يعني فساد العلاقة بل يدل على وجودها ، البشر يختلفون لأنهم يقتربون ويتألمون لأن بينهم مساحة شعور ، الخطر الحقيقي لايكمن في وقوع الخلاف بل في تضخيمه ومعاملة اللمم معاملة الكبائر وتحويل زلة عابرة إلى معركة كسر عظم لا مكسب فيها .

كم من علاقة كانت متينة ثم تصدعت أو انتهت بسبب سوء فهم لم يُوضح أو كلمة قيلت تحت ضغط أو عناد تمسك فيه كل طرف برأيه وكم من قضايا وصلت إلى المحاكم ومكثت فيها سنين بل عقوداً وهي في أصلها خلاف ( لمم ) بسيط لو عُولج في وقته لانتهى بإعتذار شجاع أو تنازل محسوب أو جلسة صادقة وصريحة ، لكن التصعيد نقل الخلاف من دائرة الإنسانية إلى دائرة الخصومة ومن وجع مؤقت إلى تبعات يُدفع ثمنها بلا ذنب .

نؤمن بضرورة وجود شنطة إسعافات أولية للجروح البسيطة ونسارع إلى استخدامها قبل أن يتفاقم النزف ولكننا في علاقاتنا نؤجل العلاج ونتجاهل الألم النفسي ونترك الصمت يطول حتى تتراكم المشاعر السلبية وتتعفن الجراح ، مع أن الخلافات تحتاج بدورها إلى شنطة إسعافات نفسية : اعتذار صادق أو كلمة طيبة أو خطوة تراجع تحفظ الود .

أكثر ما يُعقد الخلاف وأخطر ما يقتل فرص الصلح هو الإصرار على المواقف وتشبث كل طرف برأيه ومطالبه وكأن التنازل هزيمة وكأن المرونة ضعف ، بينما الحقيقة أن الوعي في تقديم بعض التنازلات هو عين القوة وهو ما يطفئ شرارة الفتنة قبل أن تستعر ، فليس كل حق يُطلب يُدرك وليس كل معركة تستحق أن تُخاض .

الخلافات قدر لا مهرب منه و ستبقى موجودة ولكن إدارتها و طريقة التعامل معها يصنع الفرق ، بلاشك أن القرار الحكيم هو أن نعيدها إلى حجمها الحقيقي في حدود ( إِلَّا اللَّمَمَ ) قبل أن تتفاقم وتخرج عن السيطرة وتتحول الأخطاء الصغيرة إلى خصومات طويلة يصعب تجاوزها فأحياناً صلح هش أو اتفاق غير مكتمل أرحم من خصومة عصية على الكسر تتوارثها الأجيال حملاً ثقيلاً على ظهورها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى