
سعيد الباحص
منهجيات فاعلة للنجاح في مشروع التحول بمنظومة التعليم
في أحد المناهج والمقررات الدراسية التي درستها في مرحلة الماجستير بكلية التربية بجامعة الملك فيصل قبل عدة أعوام، منهج بعنوان (التغيير والتجديد في المؤسسات التربوية) وكنت أرى بأهمية ما قدمه لنا هذا المنهج من نظرة استشرافية حول أهمية التغيير والتجديد في المنظومة التعليمية برؤية أكاديمية ومنهجية، مع إدراكي بأن الأنظمة التعليمية تواجه تحديات مستمرة تتطلب معها قدرة المؤسسات التعليمية على التكيف والتغيير لضمان فعالية التعلم وتحسين النتائج. فقد تعلمت من هذا المنهج بأن للتغيير إدارة تعد عملية حيوية تهدف إلى تحسين مستدام في النظام التعليمي من خلال إستراتيجيات مدروسة وإجراءات منظمة، وأن التغيرات السريعة في التكنولوجيا والمجتمع والمناهج الدراسية فرضت ضرورة حتمية بأهمية التغيير والتطوير في منظومة الممارسات التعليمية.
لقد تعلمت من هذا المقرر بأن إدارة التغيير تعد من العوامل الأساسية التي تساهم في نجاح أية منظمة في ظل بيئة العمل المتغيرة، وأن إدارة التغيير والتجديد في المؤسسات التربوية هي عملية تنظيم وتوجيه للتغيرات المطلوبة في المؤسسات التعليمية بهدف تحقيق أهداف التعليم، حيث تتضمن هذه العملية تقييم للوضع الراهن، ودراسة فعالية البرامج الحالية، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تحسين، وتحديد الأهداف بحيث تكون واضحة ومحددة مما يساعد على توجيه الجهود نحو التحسين المطلوب، والعمل على إنشاء إستراتيجيات فعالة تساعد في تحقيق الأهداف التعليمية المرجوة.
وتكمن أهمية إدارة التغيير في المؤسسات التربوية في عدة أسباب: أولها تحسين جودة التعليم والمخرجات التعليمية وكذلك تلبية احتياجات المتعلمين مما يتطلبه العصر الحديث من تكييف للمناهج والبرامج التعليمية وتوافقها مع تلك الاحتياجات وتنوعها، وتعزيز الابتكار حيث يسهم التغيير في تحفيز الابتكار واستخدام تقنيات جديدة في التعليم. ويضاف إلى ذلك زيادة المرونة التي تساعد المؤسسات التعليمية على التكيف مع التغيرات السريعة في البيئات الاجتماعية والتكنولوجية وتحسين تجربة التعلم من خلال تطبيق إستراتيجيات جديدة يمكن من خلالها تحسين تجربة التعلم للطلاب وزيادة مشاركتهم، إلى جانب دراسة تحديات إدارة التغيير التي تتمركز في عدة عناصر منها مقاومة التغيير بسبب الخوف من التجديد ونقص الموارد، فقد يكون هناك حاجة إلى موارد إضافية مثل الوقت والمال لتنفيذ التغييرات، وعدم الوضوح للأهداف فقد يؤدي ذلك إلى إرباك الفرق وفشل التنفيذ، وعدم كفاية التدريب حيث يقتضي التغيير إلى التدريب المستمر للتكيف مع التغييرات الجديدة.
كذلك من النظريات المطلوب فهمها في مراحل إدارة التغيير فهم مرحلة التقييم والتحليل، وتحديد مجالات التحسين، وبناء أهداف واضحة قابلة للقياس، وتصميم خطة واضحة وجدول زمني لتنفيذ التغييرات، وتعزيز عناصر التواصل الفعال، وإبلاغ جميع الأطراف المعنية بالتغييرات المخطط لها وأسبابها.
ومع هذا كله، وبالرغم من أهمية ما تعلمناه إلا أنني كنت في باديء الأمر غير متوقع أن يبلغ التغيير سرعته وأثره فيما نشهده اليوم من تحول جذري في النظام التعليمي بوزارة التعليم، وأن ما درسناه من مفاهيم في هذا الشأن سيبقى في إطاره الأكاديمي ولن يتخطى حدود القاعات الدراسية داخل أسوار الجامعة. بيد أني أرى منهجية تغيير واضحة وناجحة بكل المقاييس طرحتها وزارة التعليم بدءًا من تطبيق الهيكل التنظيمي الجديد والشروع في تنفيذ مشروع التحول في كافة عناصر ومكونات العمل التعليمي. وعدت بالقراءة بعمق لفحوى منهجية التغيير التي اعتمدتها في مشروع التحول فوجدتها تتمركز في ثلاثة أركان رئيسة: _أولها_ إدارة التغيير على مستوى الأفراد حيث يركز هذا المستوى على رحلة التغيير الفردي إيمانا بأنه لا تغيير مؤسسي ينجح دون أن يتبناه الأفراد أولا سواء في سلوكهم أو أدوارهم اليومية وتحويل التغيير من قرار تنظيمي إلى واقع مطبق ومستدام مما يقتضي ذلك بناء حالة من الوعي والرغبة والمعرفة والقدرة والتعزيز وتمكين كل موظف بأن يكون جاهزًا ومهيأ للتغيير في أية لحظة. _الركن الثاني_ من أركان إدارة التغيير هو التغيير على مستوى مشروع التحول حيث يركز هذا المستوى على دمج إدارة التغيير في خطط تنفيذ المشاريع مثل التحول على سبيل المثال إلى توحيد الخدمات عبر مجموعة أدوات وخطط يتم تصميمها لكل مشروع بذات المكونات الرئيسة لإنجاح عملية التغيير كأن يكون هناك خطة للتواصل وبناء رسائل اتصالية توعوية وتحفيزية توضح الأدوار والمسؤوليات وبناء خطة تدريب لبناء المعرفة والمهارات اللازمة وخطة للتعزيز لضمان استمرارية واستدامة التغيير حتى يتم بكفاءة عالية جدا وذات أثر إيجابي، وفي _الركن الثالث_ من أركان إدارة التغيير نقل المنظومة من التغيير كمشروع مؤقت إلى قدرة مؤسسية مستدامة تجعلها جاهزة وقادرة على التغيير باستمرار وهذا الأمر يلزم بناء مهارات التغيير لدى القادة والموظفين وتضمين إدارة التغيير كمفهوم مستدام في الهياكل والحوكمة وتطوير ثقافة مؤسسية داعمة للتغيير المستمر بحيث تكون المنظومة التعليمية لديها الجاهزية العالية والدائمة للتغيير المؤسسي.
ختاما لتحقيق النجاح في هذه المرحلة من التحول أن تكون خطة الاتصال والتواصل داخليا بين الموظفين مبنية على رسائل راسخة وواضحة تعمل على تعزيز القناعة بأهمية التغيير وأهدافه وبناء الثقة من خلال توضيح الأثر الإيجابي على بيئة العمل والمواءمة والتكامل بين كافة المسارات حتى تكتمل الرسالة المؤسسية ويصل أثرها الإيجابي للرأي العام مع أهمية تعزيز ثقافة الاحتفاء بالمنجزات وربطها بالقيم المؤسسية وإبراز نجاحات مشروع التحول واختيار القيادات الواعية والمؤهلة لإدارة تنفيذ هذه المرحلة الهامة لتحقيق غاية التعليم في بناء رحلة تعليمية متكاملة يكون فيها التحضير لمستقبل واعد لأبنائنا وبناتنا سائلا الله تعالى التوفيق لوزارة التعليم في مشروعها.




