
غسان بوخمسين
لو تخيلنا عالماً ينظر فيه الإنسان إلى كل شيء بعيون مفتوحة على مصراعيها، حيث يندهش من قطرة ندى على ورقة خضراء، أو من ابتسامة عابرة في الشارع، كما يفعل الطفل الذي يرى الكون لأول مرة. هذه الدهشة النقية، تلك البهجة الجامحة التي لا تعرف حدوداً، هي سر سعادتنا الحقيقية في طفولتنا.
ولكن مع مرور السنين، تتلاشى هذه الدهشة تدريجيًّا، ويحل محلها فتورٌ يجعل الحياة تبدو رمادية. إنها الدهشة التي طالما ألهمت العلماء والعباقرة والمكتشفين والمبدعين، حين تنقدح في أذهانهم شرارة السؤال وينتج عنها اكتشاف او اختراع. وكما قال ألبرت أينشتاين: “من لا يستطيع التوقف للدهشة والوقوف مبهورًا، فهو ميت عمليًا؛ عيناه مغلقتان.” أو قوله “نحن لا نكبر أبدًا، نحن لا نتوقف أبدًا عن الوقوف كأطفال فضوليين أمام السر العظيم الذي ولدنا فيه».
فلماذا يفقد الكبار هذا البريق؟ وهل يمكن استعادته في عالم يغلب فيه الروتين والضغوط؟
هذه رحلة عاطفية في أسرار السعادة الزائلة، وكيف نعيد إلى قلوبنا شيئًا من وهج الطفولة.
لماذا يتلاشى ذلك السحر الطفولي؟ وهل حُكَم علينا بالعيش في عالم رمادي، خالٍ من البهجة الحقيقية؟
في طفولتنا المبكرة، كان العالم كنزًا لا ينتهي من المفاجآت. كل شيء جديد يثير فينا عواصف من المشاعر: الضحك، الفضول، الفرح الجامح. ولو أردنا توضيح التوضيح علميًّا، يمكن القول إن “الجهاز الحوفي” limbic system يعمل في دماغنا – ذلك المركز السحري للانفعالات في مرحلة الطفولة ولم يكتمل نموه بعد — ، فأنه يغمرنا بموجات من الدوبامين، هرمون السعادة والبهجة. ولكن مع تقدمنا في العمر، يتغير كل شيء. يصبح الدماغ أكثر نضجًا وحكمة، وأقدر على التوقع، وأقل حماسًا للانفعال. فما كان يذهلنا في سن العاشرة، يمر مرور الكرام في الثلاثين أو الأربعين. ليس العالم هو الذي فقد لونه، بل نحن من بنينا جدرانًا حول قلوبنا.
هذا الفتور ليس ضعفًا، بل هو ثمن النجاة. الحياة تراكم علينا الخبرات: خيبات الحب، صدمات الفقدان، ضغوط العمل والمسؤوليات. يبني الدماغ طبقة واقية تقلل من شدة أثر المشاعر، سواء الإيجابية أو السلبية، ليحافظ على توازننا النفسي. إنها آلية دفاعية ضرورية، ولكنها تسرق منا تلك الدهشة البريئة التي كانت تجعل الحياة تبدو كحلم جميل. نشعر بالألم لهذا الفقدان، لأننا نعرف أن تلك البهجة كانت صادقة، غير مشروطة بأي شيء.
العلم النفسي يفسر هذا اللغز بمفهوم “التكيف مع اللذة” hedonic adaptation، وهو مبدأ يشبه عجلة الحياة التي تعود دائمًا إلى نقطة البداية. مهما حدث أمر مفرح – فوز كبير، إنجاز مهني، أو حتى حب جديد – يرتفع مستوى السعادة مؤقتًا، ثم يعود الدماغ إلى مستواه الثابت. يفرز الدوبامين بغزارة في البداية، ولكنه يقل تدريجيًّا، كأن الجسم يقول: “كفى، عُد إلى التوازن”.
نشهد جميعًا هذا في حياتنا اليومية بقوة. فرحتنا الأولى بشراء سيارة جديدة: ذكريات الرائحة الجديدة، الإحساس بالفخر، الابتسامة التي لا تفارق وجوهنا. بعد أشهر قليلة، تصبح السيارة مجرد وسيلة نقل روتينية. أو الترقية المهنية التي حلمنا بها سنوات: سعادة عارمة في الأيام الأولى، ثم تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد. حتى الانتقال إلى منزل الأحلام يفقد بريقه مع التعود.
لماذا يحدث هذا؟ هناك أسباب عميقة تجعل السعادة زائلة:
أولًا ، التنظيم الكيميائي في الدماغ، الذي يسعى جاهدًا للحفاظ على الاستقرار العاطفي، فلا يدع المشاعر المرتفعة تستمر طويلًا، كونها تستنزف الطاقة عضويًّا ونفسيًّا.
ثانيًا ، التعود البسيط: كلما تكرر المحفز الإيجابي، قل تأثيره، كما يعتاد الجسم على الدواء.
ثالثًا، المقارنة الاجتماعية التي تسمم الفرح: نحصل على شيء جديد، فننظر فورًا إلى ما لدى الآخرين، ونشعر بالنقص.
رابعًا ، ارتفاع التوقعات: كل نجاح يرفع سقف “العادي”، فنحتاج إلى إنجاز أكبر لنشعر بالسعادة نفسها.
هذه العوامل تجتمع لتحول السعادة إلى لحظات عابرة، حتى في أجمل الظروف. نشعر بالحزن لهذا، لأننا نريد سعادة دائمة، ولكن الطبيعة البشرية تقول غير ذلك.
ولكن هل هذا يعني أننا محكومون بالفتور الأبدي؟ بالتأكيد لا! فالعلم لا يحكم علينا باليأس، بل يقول إن السعادة غير دائمة بطبيعتها، ولكنها ممكنة دائمًا. الفارق كبير: غياب الديمومة لا يعني غياب الفرصة. ما نحتاجه هو تغيير نظرتنا إلى الحياة، لا انتظار عودة الطفولة المستحيلة.
كيف نستعيد بعضًا من ذلك الوهج الطفولي؟ الدراسات النفسية تقدم طرقاً عملية، مليئة بالأمل:
أولًا ، تقسيم الأهداف الكبيرة إلى خطوات صغيرة. كل إنجاز جزئي يمنح دفعة فرح متجددة، بدلًا من انتظار اللحظة الكبرى التي تتلاشى سريعًا.
ثانيًا ، الاستمتاع بالرحلة نفسها، لا بالنتيجة فقط. والتركيز على التفاصيل اليومية، فهي تجعل التجربة أغنى وأقل عرضة للزوال.
ثالثًا ، بناء علاقات إنسانية قوية وعميقة. الحب والصداقة يمنحان سعادة أكثر استمرارية من أية ممتلكات مادية أو إنجاز فردي.
رابعًا ، ممارسة اليقظة الذهنية يوميًّا. الانتباه لللحظة الحاضرة، للتفاصيل الصغيرة مثل رائحة القهوة أو دفء الشمس، فتعيد لنا حساسية مشاعر مفقودة.
خامسًا ، ممارسة الامتنان يوميًّا. فهذا يقلل من التعود ويعيد التقدير لما بين يدينا.
سادسًا، تقبل المشاعر السلبية بدلًا من مقاومتها. الحزن جزء من الحياة، وتقبله يفتح الباب لعودة الفرح الطبيعية.
في الختام، نشتاق إلى دهشة الأطفال لأنها كانت نقية تمامًا، عفوية، تجعل الروح ترقص بحرية دون قيود أو شروط. ولكن الحياة لا تعيد لنا تلك الدهشة مرة ثانية كما كانت، ولكنها تهمس لنا سرّاً أجمل: نحن قادرون على إحيائها من جديد داخل قلوبنا.
يمكننا اليوم أن نعيد ترتيب علاقتنا بالسعادة، أن نبحث عن اللحظات الصغيرة التي تعيد إلينا ذلك الضياء القديم، وأن نحتفظ بقلب طفل ينبض داخل صدورنا مهما طال العمر.
السعادة ليست وجهة ثابتة نصلها ونستقر فيها، بل هي رحلة مستمرة مع الحياة: لحظات نجمعها كالنجوم في سماء الليل، براقة ومبهجة، تحول الظلام إلى لوحة ساحرة.




