
أحمد الطويل
تنويه:
تأتي هذه المقالة امتدادًا لمقالة سابقة تناولت حقيقة الإيمان، حين يتحوّل من فكرة في الذهن إلى حياة تُعاش، لننتقل هنا خطوة أعمق في فهم مراتب الإيمان وتدرّجه في حياة الإنسان.
مقدمة:
يخطئ الإنسان حين يظنّ أن الإيمان حالة واحدة، أو بطاقة تعريف ثابتة: إمّا مؤمن أو غير مؤمن. هذا التبسيط المريح يخفي حقيقة أعمق وأكثر تحدّيًا: الإيمان رحلة، لا نقطة وصول، ومسار تصاعدي لا يقف عند حدّ. قد يؤمن إنسانان بالفكرة نفسها، لكن الفارق بينهما يظهر عند أول اختبار، وأول خوف، وأول تضحية مطلوبة. الإيمان ليس سؤال: هل تؤمن؟ بل سؤال أدقّ وأصعب: في أية مرتبة تقف من إيمانك؟ وهل أنت في صعود… أم في جمود؟
الإيمان سلّم لا حالة ثابتة
في الرؤية العميقة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، الإيمان درجات متراكبة، لا قفز فيها ولا اختصار. هو أشبه بسُلّم، لا يُصعد دفعة واحدة، بل درجة بعد درجة. هذا الفهم يحرّر الإنسان من وهم الكمال، كما يحرّره من جلد الذات؛ فلا يحتقر من هو أدنى، ولا يغترّ بما وصل إليه. كل إنسان يقف في موضع ما من هذا السُلّم، وقد يبقى سنوات في الدرجة نفسها، وقد يتقدّم، وقد يتراجع. المشكلة ليست في الموقع، بل في التوقّف عن الحركة.
الإيمان المعرفي: حين يعرف العقل ما لا يحمله القلب
أولى مراتب الإيمان هي المعرفة: أن يعرف الإنسان الحق بعقله، يعرف الله، والمبادئ، والقيم، ويميّز بين الصواب والخطأ. هذه المرتبة ضرورية، ولكنها هشّة إن بقيت وحدها. فكم من إنسان عرف الحق، ولكنه انهار عند الخوف، أو تراجع عند الطمع، أو صمت تحت الضغط؟ المعرفة وحدها لا تصنع الثبات، لأن العقل قد يُقنع، ولكنه لا يمنح الشجاعة دائمًا.
الإيمان القلبي: حين يسكن اليقين الداخل
المرتبة التالية أعمق: أن ينتقل الإيمان من المعلومة إلى اليقين، ومن الفكرة إلى الشعور الداخلي. هنا يبدأ الإنسان بالإحساس بالقرب من الله، والحياء منه، والطمأنينة به. ولكن حتى هذا المستوى، مع جلاله، لا يكتمل إن لم يتحوّل إلى سلوك. كم من قلوب مؤمنة، ولكنها تتردّد عند القرار؟ وكم من مشاعر صادقة، ولكنها تنسحب عند المواجهة؟
الإيمان العملي: حين يصبح اليمان معيار القرار
في هذه المرتبة، يتحوّل الإيمان إلى بوصلة حياة. لا يعود مجرد شعور داخلي، بل يصبح السؤال الحاضر في كل موقف: ماذا يطلب الحقّ مني الآن؟ هنا يُقاس الإيمان لا بالكلمات، بل بالاختيارات. التاريخ الإنساني يعلّمنا أن الانهيارات الكبرى لم تكن بسبب الجهل، بل بسبب العجز عن دفع كلفة الموقف. الإيمان العملي هو أن تختار الحقّ، لا لأنه الأسهل، بل لأنه الأصدق.
الإيمان والتسليم: الطمأنينة في قلب العاصفة
مرتبة أعمق من العمل هي التسليم: أن لا يساوم الإنسان على الحق، ولا يعترض على حكمة الله، ولا يختار الطريق لأنه مريح، بل لأنه صحيح. هنا يتحوّل الإيمان من ممارسة إلى حالة وجودية، يعيشها الإنسان في الرخاء والشدة معًا. في هذه المرتبة، لا يختفي الألم، لكن يختفي الاعتراض، ولا تزول المحنة، ولكن تزول الحيرة.
الإيمان الشهودي: رؤية المعنى خلف الحدث
أعلى المراتب هي أن يرى الإنسان العالم بعين مختلفة؛ لا يرى الأحداث منفصلة عن الله، بل يلمح الحكمة في الابتلاء، واللطف في الشدة، والمعنى خلف الألم. هذا الإيمان لا يُنال بالخطاب، بل بالمجاهدة، والصدق الطويل، والانكسار الواعي بين يدي الله. هنا يصبح الإيمان نورًا يفسّر الحياة، لا فكرة تشرحها.
الخلاصة:
الإيمان ليس لقبًا نعلّقه على أنفسنا، بل مسارًا نُحاسَب عليه. ليس السؤال: هل نؤمن؟ بل: هل نتقدّم في إيماننا؟ وهل ما نعرفه نعيشه؟ وما نشعر به نثبته؟ وما نؤمن به نتحمّل كلفته؟ الدرجات ليست لإدانة الناس، بل لمصارحة النفس. فمن أدرك موقعه بصدق، بدأ طريق الارتقاء. ومن ظنّ أنه وصل، توقّف قبل أن يسقط. الإيمان الحقيقي لا يطلب منك الكمال، بل يطلب منك الحركة الصادقة نحو الله.
اللهم لا تجعل إيماننا معرفة بلا أثر، ولا شعورًا بلا ثبات، وامنحنا صدق السعي في مراتب القرب منك، حتى نلقاك بقلوب حيّة.




