أقلام

مِن سِيرة من يقرأ في الحمّام

يوسف الحسن

تعجبني حد الدهشة السير الذاتية عندما تكون صريحة وواقعية، لا كما يصور البعض نفسه حينما يكتب سيرته الذاتية فيدَّعي أنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وأنه كان المدلل الأكبر في أسرته، والأول على دفعته، والأكثر وسامة في جيله، وأطول واحد في الحارة كما يقال!

ومن السير الذاتية الصريحة تلك التي كتبها الشاعر والكاتب الأمريكي من أصل صربي تشارلز سيميك (1938-2023م)، الذي رغم اختياره أميرًا للشعراء عام ٢٠٠٧ من قبل مكتبة الكونغرس في الولايات المتحدة الأمريكيّة، ونيله عدة جوائز عالمية، فإنه لم يتنكر لماضيه، وكان صريحًا جدًّا في مذكراته (ذبابة في الحساء)، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالحديث عن ماضيه وطفولته البائسة، ومن ثم فقد جمعت سيرته الذاتية تلك ما بين الطفولة والفقر والمعاناة والمنفى ثم التفوق وتجاوز العقبات، دون ادعاء لبطولات من نسج الخيال.

ولكنه لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بتعلقه المبكر بالقراءة، حيث يقول عن نفسه: لا أُبالغ كثيرًا عندما أقول إنني لم أكن أذهب إلى الحمّام من غير كتاب في يدي. أقرأ حتى أسقط من النوم، وأستأنف القراءة بمجرد أن أصحو. أقرأ في وظائفي المختلفة، مُخبئًا الكتاب بين الأوراق أو في درج المكتب نصف المفتوح. أقرأ كل شيء؛ من أفلاطون إلى ميكي سبيلّين. يومًا ما، عندما أكون في نعشي المفتوح، سأحمل معي كتابًا. (ص152)

يقول عن نفسه، في سيرته الذاتية التي ترجمتها إيمان مرسال (ص266): “يمكن للمرء أن يكتب سيرته الذاتية عبر وصف كل وجبة استمتع بها في حياته، وستكون قراءتها أكثر متعة مما نقرؤه عادة. بصدق، ما الذي تفضله؛ وصف أول قُبلة أَمْ الكرنب المطبوخ بإتقان؟ علي أن أعترف، أنا أتذكر ما أكلته بشكل أفضل من تذكري لما فكرت فيه. أتذكر بقوة وبشكل خاص بعض الأيام البعيدة من 1944 إلى 1949 في يوغوسلافيا، أيام كنا لا نجد ما نأكله. ازدهرت السوق السوداء. قايضتِ النساء خواتم زواجهن وملابسهن الحريرية الداخلية بلحم الخنزير. ومن حين لآخر كنا نحظى بدعوة إلى وليمة إجرامية بينما الآخرون يتضورون جوعًا”.

وفي الصفحات الأولى من كتابه يصف كيف أنه كان مشردًا أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وكيف كان لا يجد ما يأكله، وكيف كان عمال المطاعم ينظرون إليه باحتقار عندما يذهب لشراء أي طعام؛ تقززًا من ملبسه، وشكًّا فيه أنه لن يدفع. ثم يشرح (سيميك) كيف استطاعت عائلته الحصول على جواز سفر والانتقال إلى باريس حيث ظل شهورًا طويلة ينام على أرض غرفة بائسة في فندق فقير، حتى تدبروا أمرهم وانتقلوا للعيش في الولايات المتحدة. كما يشرح كيف كان طالبًا فاشلًا، ولطالما كان مدرسه يأمره مرارًا بالوقوف ووجهه باتجاه الحائط.

ويذكر أن حياته انقلبت رأسًا على عقب حين استدعي للخدمة العسكرية؛ حينها أصابه توتر نفسيّ، وبدأ التخلص من بعض أغراضه الشخصية، “وما زال هناك كراكيب يجب التخلص منها. لم يكن ممكنًا حتى أن آخذ قصائدي معي. وضعتها في علبة أحذية وأعطيتها لوالدي”، “لم أنم بما يكفي في حياتي. طوال ستين عامًا يؤرقني كل شيء؛ بدءًا من حياتي وحتى ضعة العالم وغبائه” (ص221).

“رميت مئات القصائد في حياتي، أربعة فصول من رواية، مشهد أول من مسرحية، قرابة خمسين صفحة من كتاب عن جوزيف كورنيل. كتابة الشعر متعة لا يضاهيها إلا طمس كل ما هو مكتوب على الصفحة”. (ص 189-190)

ويقول: “نصدق سرًّا أننا أذكياء للغاية. تختبئ خلف تواضعنا الظاهري عجرفة لا تقل عن عجرفة أرستقراطيّ القرن الثامن عشر. لم أكن مختلفًا في هذا؛ تحركت بأنف شامخ مقتنعًا أن لدي بداية قوية، مكانًا للسكن، وظيفة، بعض الأصدقاء، لدرجة أنني يوميًّا كنت أكتب قصائد، مدعمًا هيئة البريد الأمريكية برسائلي إلى المجلات الأدبية. أُهرَع إلى البيت في استراحة الغداء لأرى صندوق البريد، أرمي الخطابات التي تعلمني برفض النشر، وعلى الفور أعيد إرسال نفس القصائد إلى دوريات أخرى” (ص 217-218).

هكذا كان الكاتب تشارلز سيميك يصف نفسه في هذه السيرة الذاتية التي تعطينا درسًا في الشفافية والتشويق وجمال العرض والبساطة مع العمق، والذي نفتقد بعضه في بعض كتبنا، كما تُعلمنا الإصرار على الكتابة حتى تقتنع الصحف أو دور النشر بما نكتب.

وكان هذا الكاتب والشاعر قد عاش بالفعل طفولة صعبة وقاسية تحت القصف خلال الحرب العالمية الثانية في بلغراد، ما اضطره وأسرته إلى تغيير منزله عدة مرات هربًا من القصف العشوائي، حتى هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1954. وقد أبدع في كتاباته وحصل على جوائز عديدة، منها جائزة بوليتزر للشعر عام 1990 عن ديوانه (العالم لا ينتهي). ورغم أنه لم يتحدث الإنجليزية إلا حينما بلغ الخامسة عشرة من عمره؛ فإنه درَّس الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة نيوهامشاير لثلاثين عامًا. وتميز بأنه غزير الإنتاج، كثير منه من وحي معاناته أو حياته، يمزج فيها ما بين الرعب والصدمة بفكاهة سوداء ووعي ذاتي ساخر. ومن كتبه أيضًا: ما يقوله العشب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى