
د. حجي الزويد
تجسّد سيرة الشيخ محمد تقيّ بهجت (رضوان الله عليه) أنموذجًا فريدًا للعارف العامل، الذي لم يكن الذكر عنده حالة عارضة أو ممارسة موسمية، بل كان بنية وجودية تسري في كل لحظات حياته، حتى وهو في مقام التعليم والتدريس، وهو المقام الذي ينشغل فيه العقل عادة بالتحليل والشرح والاستدلال.
وقد نقل تلامذته، وفي مقدّمتهم العلّامة سماحة الشيخ عبد الجليل البن سعد، أنّه كان يتوقّف أثناء الدرس بين الحين والآخر ليتمتم بالذكر، ثم يعود إلى حديثه العلمي من حيث انتهى، دون أن يختلّ نسق الدرس، وهي حالة لاحظها عليه طوال سنتين من ملازمته لحلقته العلمية. إن هذا ليس موقفًا عابرًا أو سلوكًا شخصيًا خاصًا، بل هو كاشف عن رؤية معرفية عميقة للعلم والدين والإنسان. فالشيخ بهجت لم يكن يرى العلم منفصلًا عن الحضور القلبي، ولا كان يعد الاشتغال بالعلوم الشرعية مبرّرًا للغفلة عن الله، بل كان يرى أنّ أخطر ما يمكن أن يصيب طالب العلم هو أن يتحوّل علمه إلى نشاط ذهني مجرّد، منزوع الروح.
الذكر بوصفه حالة حضور لا لفظًا مجردًا:
الذكر عند الشيخ بهجت لم يكن تكرارًا لفظيًا فحسب، بل كان حالة حضور دائم مع الله. وهذا ما يفسّر حرصه الشديد على ألا تمرّ عليه لحظة من دون استحضارٍ إلهي، حتى في أثناء الحديث أو التعليم. فالذكر في هذا المقام ليس قطعًا للسياق العلمي، بل هو إعادة وصل للسياق الوجودي؛ أي إعادة ربط العلم بمصدره الحقيقي.
وهنا تتجلّى إحدى أعمق معاني العرفان العملي: أن يعيش الإنسان في عالم الأسباب، ويتكلّم بلغة العقل، ويؤدي وظائفه الاجتماعية والعلمية، من غير أن ينفصل قلبه عن الله طرفة عين.
التعليم بوصفه عبادة:
من يراقب هذا السلوك يدرك أنّ الشيخ بهجت كان يرى التدريس نفسه عبادة، ولكن العبادة عنده لا تكتمل إلا بالحضور القلبي. فالذكر المتخلّل للدرس هو بمثابة تحصين للعلم من التحوّل إلى حجاب، وتطهير للمعرفة من آفة العجب أو الغرور أو الاستقلال عن الله.
وهذا المعنى بالغ الأهمية في زمنٍ كثرت فيه المعلومات وقلّ فيه الصفاء، وكثر فيه المتحدّثون باسم الدين، وندر فيه من يُشعرك حضوره بأنّ الله حاضر.
صفاء القلب وأثره في السلوك:
إنّ صفاء قلب الشيخ بهجت، الذي شهد به تلامذته وكل من عاصره، لم يكن نتيجة انعزال عن الناس أو تركٍ للمسؤوليات، بل كان ثمرة ملازمة الذكر والمراقبة. فالذكر الدائم يصنع قلبًا حيًّا، والقلب الحيّ يفيض سكينة، وهذه السكينة تظهر في الصوت، وفي النظرة، وفي الصمت قبل الكلام، وفي التوقف العابر الذي قد يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة مشحون بمعانٍ عظيمة.
رسالة للعلماء وطلبة العلم اليوم:
إنّ هذه السيرة لا تُروى لمجرد الإعجاب أو التقديس، بل لأنها تحمل رسالة واضحة لطلبة العلم والعاملين في الحقل الديني والفكري:
أنّ العلم بلا ذكر قد يتحوّل إلى عبء، وأنّ الكثرة في التحصيل لا تعوّض الغفلة القلبية، وأنّ أعظم ما يمكن أن يبلغه الإنسان هو أن يكون حاضرًا مع الله في كل أحواله، لا أن يخصّص لله أوقاتًا ويغفل عنه في بقية العمر.
خاتمة
لقد عاش الشيخ محمد تقيّ بهجت (رضوان الله عليه) الذكر لا بوصفه عملًا، بل بوصفه حياة، وكان توقفه أثناء الدرس ليتلفّظ بالذكر شاهدًا صامتًا على قلبٍ لا يقبل الغفلة، وروحٍ لا ترضى بالانقطاع. رحم الله أولياءه، وجعلنا من السائرين على نهجهم، العاملين بعلمهم، الحاضرين مع الله في سرّهم وعلنهم.




