
يوسف الحسن
لا يحتاج أحدنا إلى كرسي مريح وضوء ساطع وهدوء تام لكي يتناول كتابًا ويبدأ بالقراءة؛ فكل ما نحتاج إليه هو أن نسحب كرسيًّا ثم نتناول كتابًا ونفتحه ونبدأ بالقراءة.
ليس علينا في البداية أن نستوعب كل ما نقرأ، وليس علينا مواصلة القراءة ساعات طوالًا، كما أنه ليس علينا أن نكمل الكتاب حتى نهايته، بل نقرأ ما نستطيعه، ونتوقف متى ما تعبنا أو شعرنا بالملل.
فقراءة الكتب لا يمكن أن تتحقق بالإكراه أو بالضغط، بل بحاجة إلى مران متواصل؛ يطول أو يقصر حسب قدرات وإمكانات كل شخص، حتى يصل إلى ما يسمى لياقة القراءة. هذا المران لا يتأتى من تلقاء نفسه، بل من قرار داخلي يتخذه الإنسان ويبدأ به على الفور، ولكن بالتدريج شيئًا فشيئًا؛ لأنه حالةٌ يتم الوصول إليها بعد مدة من القراءة بأوقات قصيرة تتم زيادتها بالتدريج؛ كما يعمل الرياضيون عندما يمارسون تمارين التمدد والاستطالة، أو التحمية، قبل التمارين الحقيقية أو قبل ألعاب الرياضة المختلفة. ومعلوم أنه من دون هذه التمارين التي تسبق التمارين الحقيقية يمكن أن يصاب المرء بتمزق في الأربطة قد تؤدي إلى توقف تام عن ممارستها، وهو ما ينطبق أيضًا على القراءة.
أما كيف يمكن أن يتحقق المران القرائي والوصول إلى مرحلة لياقة القراءة فبقراءة ما تحب حتى تحب ما تقرأ، مهما كانت المادة المقروءة. بعد ذلك تتكفل القراءة بتصحيح نفسها بنفسها وتوجيه صاحبها إلى ما ينفعه، وهو سد النقص في الجوانب المعرفية. فأي كتاب أو مادة نقرؤها سوف نستفيد منها مهما كانت؛ إما معلومة أو فكرة أو متعة بريئة أو حتى اكتشاف أن تلك المادة ضعيفة وخاوية ونحدد مواطن ضعفها وخوائها.
أما ماذا يجب أن يكون بعد المران فهو محاولة التخصص في مجال معين يحبه القارئ، أو يَتوقع أن يبدع فيه ويتميز به؛ ذلك أن مواصلة القراءة دون تخصص إلى ما لا نهاية ربما لا تقود إلى فائدة جليّة للقارئ، وربما لن يشعر بتحقيق تقدم واضح بعد مرور وقت طويل. فالمطلوب بعد مدة من القراءة التخصص في مجال ما (قراءة عمودية)، جنبًا إلى جنب مع قراءة موسوعية (أفقية).




