
السيد فاضل آل درويش
ورد عن الإمام السجاد (ع) ؛ (اللّٰهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ دَأْبُهُمُ الارْتِياحُ إِلَيْكَ وَالْحَنِينُ)(مناجاة المحبين في كتاب بحار الأنوار ج ٩١ ص ١٤٨).
محورية الفكر والسلوك الإنساني يُعدّ مؤشرًا على طريقة إدارة الحياة ومنهجية التعامل مع الواقع والأهداف، المؤمن له بوصلة يدير ويضبط مختلف قواه ومدركاته نحوها وهي العلاقة بالله عز وجل المؤطّرة بالطاعة والتقرّب نحو المعبود، علاقة ملؤها ولبّها حبّ الله تعالى والحركة الموجّهة نحو طلب رحمة الله تعالى وظلال الطمأنينة والأنس بذكر الله تعالى، وهذا ما يُلقي الضوء على معاني ذلك الشوق المحرّك له في أحلك الظروف وأصعبها نحو الراحة الحقيقية في محراب العبادة والمناجاة، وهذا المقطع من الدعاء نداء لتربية قلب لا يتشظى بين الدنيا والهوى ومشتهيات النفس وأهوائها، بل يجد حضنه الآمن في حضرة ربه عندما يناجيه ويبثّ ما في نفسه وعقله من هموم تتعلّق بمستقبله الأخروي ومقام النجاة والثبات على الصراط، ومن يصل إلى هذا المقام يعيش إيمانًا حيًّا وعبادة تؤثر في تصرفاته ونظرته لحياة قصيرة سرعان ما تؤول إلى الذبول والاضمحلال، وروحًا مطمئنة بقضاء الله تعالى وتدبير شئونه وفق قوانين تخضع للحكمة والعدالة مما يبعث في نفسه الأمل والنظرة الإيجابية التي تُغالب الظروف القاهرة والأزمات دون أن تُضعف همته وإرادته.
يرِد هذا الدعاء في أدعية الإمام زين العابدين (ع) ضمن سياق روحي عميق يرسم معالم العلاقة الوجودية بين الإنسان وربه، ويؤسّس لمنظور معرفي وأخلاقي متكامل في مدرسة أهل البيت (ع)، فنقف أمام مشروع تربية نفسية وإصلاح سلوكي يهدف إلى إيصال الإنسان إلى مقام الطمأنينة بالله تعالى والاشتياق الدائم إلى حضرته، حتى يصبح الارتياح إلى الله تعالى ومقادير الأمور التي تجري بأمره حالة ثابتة، والحنين إليه ديدنًا لا ينقطع فتهفو نفسه نحو معبودها لأنها لا ترى في الكون كله موجودًا حقيقيًّا غيره عز وجل، فالارتياح إلى الله تعالى سكينة وجودية تنشأ من الإيمان اليقيني بالله تعالى القائم على المعرفة والعقل والبرهان والاطمئنان بحكمته وتدبيره، والشعور بالحماية الإلهية أهم ثمار ونتائج ذلك التعلق الروحي فالمؤمن يعيش في كنف ربّه إذا وثق به وسلّم أمره إليه سبحانه.
أما الحنين فهو أرقى درجات الانجذاب القلبي إلى الله تعالى ويعبّر عن اندفاع واعٍ نحو المُستحِق للعبودية، فهو حنين من عرف جمال الله تعالى وكماله فتاقت نفسه إلى القرب منه، وهذا الشوق يشكّل دافعا لإعمار الحياة بطاعة الله تعالى على المستوى المعرفي والعبادي والاجتماعي والأخلاقي، إذ من يحن إلى الله تعالى يبتعد عن المعصية ويتحوّل إلى إنسان أخلاقي يحمل قيم الحق والصدق والتواضع والعدل.
يُربي الإمام السجاد (ع) الإنسان على أن تكون مرجعيته النفسية ثابتة ومتعلّقة بالحق، وبهذا المعنى يصنع الدعاء إنسانًا متوازنًا يواجه الشدائد بلا اضطراب لأنه مطمئن بالله تعالى، ويحيا النعم بلا غرور لأنه يراها عطية من الله تعالى فيترسّخ لديه ميزان روحي يحفظه من الانهيار النفسي والتقلّب الوجداني.
و التعبير بدأبهم في الدعاء يشير إلى الاستمرارية، أي أن الإمام لا يطلب لحظة ارتياح أو ومضة حنين بل حالة رسوخية تصبح طبيعة متأصّلة للإنسان، وعند هذا المستوى يتحول الدين من تكليف ثقيل إلى راحة روحية.




