
أحمد الطويل
تنويه:
تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة تتناول مفهوم الإيمان في القرآن، بعد التوقّف عند حقيقته ومراتبه، لننتقل هنا إلى الإيمان بوصفه تكليفًا دائمًا لا حالة مكتملة.
مقدمة:
قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى أن يخاطب الله المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾.
فكيف يُؤمر من آمن أن يؤمن من جديد؟
وهل الإيمان ناقص بعد أن تحقّق؟
أم أن القرآن يضعنا منذ اللحظة الأولى أمام حقيقة أعمق من التصوّر السطحي للإيمان؟
ليست هذه الآية تكرارًا لغويًا، ولا خطابًا تعبديًا عامًا، بل واحدة من أدقّ آيات القرآن في رسم فلسفة الإيمان؛ لأنها لا تُخاطب الخارج، بل تُربك الداخل.
هي لا تُنكر الإيمان، ولكنها لا تُصادق عليه كاملًا.
ولا تُخرج الإنسان من دائرة الإيمان، لكنها ترفض أن تطمئنه بالبقاء فيها.
كأنّ القرآن يقول بهدوء حاسم: ما تملكه الآن لا يكفي، وما تظنّ أنك وصلت إليه ليس النهاية.
هنا لا يعود الإيمان حالة امتلاك، بل مسؤولية مستمرة، ولا يعود فكرة تُصدَّق، بل موقفًا يُمتحن،
ولا يصبح السؤال: هل تؤمن؟
بل: أيّ إيمان هذا الذي لا يزال يُطلب منك؟
الإيمان في القرآن: بين الوصف والتكليف
القرآن حين يقول: يا أيها الذين آمنوا لا يمنح شهادة نهائية، بل يصف حالة راهنة. أمّا قوله: آمِنوا فهو نقل من الوصف إلى التكليف.
الإيمان في المنظور القرآني ليس نقطة وصول، بل علاقة حية متحرّكة بين الإنسان والحقّ، قابلة للنمو، وقابلة للتآكل.
ولهذا يخاطب القرآن المؤمنين بالأمر بالإيمان؛ لأن الإيمان قد يتحوّل إلى عادة، أو هوية اجتماعية، أو إرث ثقافي، بينما المطلوب هو إيمان حيّ متجدّد، قادر على الصمود أمام التحوّلات والضغوط.
لماذا لم يقل: يا أيها الذين أسلموا؟
الفرق بين الإسلام والإيمان فرق جوهري في القرآن.
الإسلام هو الانقياد الظاهري، أمّا الإيمان فهو الدخول الوجودي في منظومة الحقّ.
قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
أمّا الآية 136 من سورة النساء، فلا تخاطب من دخل الحدّ الأدنى، بل من تجاوز الشكل إلى المضمون، ولكنها تُطالبه بأكثر. فالإيمان الذي لا يتجدّد، يعود عمليًا إلى مستوى الإسلام الشكلي، مهما ادّعى عمقه.
ومن هنا نفهم لماذا لا يقف الإيمان عند حدّ الدخول، بل يبدأ منه.
قراءة أهل البيت عليهم السلام: الإيمان درجات ومسؤوليات
في رواية الإمام الصادق عليه السلام: “إن الإيمان عشر درجات، بمنزلة السُلّم، يُصعد منه مرقاة بعد مرقاة”.
هذه الرواية تفسّر الآية بوضوح: الأمر بالإيمان هو أمر بالصعود، لا بتكرار الوقوف.
وفي نهج البلاغة، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان”.
فالإيمان الذي لا يتحوّل إلى عمل، ولا يتحمّل كلفة، ليس إيمانًا كاملًا، بل حالة ناقصة قابلة للسقوط.
البعد العقلي والفلسفي: الإيمان كحركة وجودية
فلسفيًا، كل حقيقة لا تتحرّك تموت.
الإيمان إن لم يكن فعلًا مستمرًا، يتحوّل إلى فكرة ساكنة، والفكرة الساكنة لا تصمد أمام الواقع.
ولهذا يأمر القرآن بالإيمان لا لأنه مفقود، بل لأنه مهدّد بالجمود.
الإيمان الحقيقي ليس ما نعتقده حين نكون آمنين، بل ما نثبته حين نُهدَّد،
ليس ما نقوله حين نرتاح، بل ما نختاره حين ندفع الثمن.
الكتاب والرسول: تثبيت المرجعية لا تكرارها
تؤكّد الآية الإيمان بالله، والرسول، والكتاب، لا لأن المخاطَبين ينكرونها، بل لأن الانحراف غالبًا يبدأ بالتأويل، لا بالجحود.
فالإيمان قد يبقى اسمه ثابتًا، بينما تتغيّر مرجعيته في القرار والموقف.
ولهذا شدّد القرآن على المرجعيات الكبرى، حتى لا يتحوّل الإيمان إلى شعور بلا ضابط، أو وعي بلا ميزان.
كيف نتحقّق ونُطبّق؟ حين يُمتحن الإيمان خارج الورق
الآية لا تطلب من الإنسان أن يُثبت إيمانه بالكلام، بل أن يختبره في الواقع.
فالإيمان الذي لا يُراجع، يصدأ، والذي لا يُمتحن، يتوهّم كماله.
حين يقول القرآن: ﴿آمِنوا﴾ بعد ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فهو لا يضيف معلومة، بل يفتح باب محاسبة: أيّ إيمان هذا الذي تحمله؟ وأين يظهر حين تُختبر؟
التحقّق من الإيمان يبدأ من المواقف الصغيرة: حين تُتاح لك الخيانة وتختار الأمانة، وحين تكون المصلحة في جهة والحق في جهة أخرى، فتكتشف أن الإيمان ليس ما تعرفه عن الحق، بل قدرتك على الاصطفاف معه حين يكون مكلفًا.
الإيمان المتجدّد لا يعني كثرة الشعارات، بل زيادة الحساسية الأخلاقية، وزيادة الوعي بأن كل اختيار هو شهادة.
الخلاصة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ ليست آية تطمين، بل آية قلقٍ بنّاء.
لا تسألنا: هل دخلتم الإيمان؟
بل: هل ما زلتم أهلًا له؟
الإيمان في القرآن ليس بطاقة انتماء، بل مسار اختبار، وليس ذكرى قرار، بل اختيار يتجدّد كل يوم.
من ظنّ أن إيمانه مكتمل، بدأ نقصه، ومن أدرك أن الإيمان يُطلب منه باستمرار، بدأ ارتقاؤه.
هذه الآية لا تُدين أحدًا، لكنها تجرّد الجميع من الوهم، وتضع الإنسان أمام السؤال الأخطر:
هل إيمانك يعيش فيك… أم تعيش عليه؟
لأن الإيمان الذي لا يُطالبك اليوم، سيتخلّى عنك غدًا.
اللهم لا تجعل إيماننا عادةً بلا وعي، ولا يقينًا بلا موقف، واجعلنا ممن يحملون الإيمان مسؤوليةً لا ادّعاء، وسيرًا إليك لا توقّف فيه.




