
أمير الصالح
ماذا تفهم من نص الحديث النبوي الشريف: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) اللهم صلِّ على محمد وآل محمد. الفهم المتواتر بين الناس هو أنه عند سماع اسم النبي محمد(ص)، فمن الأخلاق الحسنة والإقرار بالجميل والامتنان للمعروف الذي بلغة النبي لنا بحد أدنى هو قراءة الصلاة على النبي محمد وآل محمد (ص).
إذن صفة الكرم ورد المعروف لأهل الجميل والإقرار بإحسان الآخرين لنا أمور يتكامل فيها الشخص الراقي والمهذب والأصيل رقيًّا وأدبًا وأصالة عبر ممارستها وصقل أدائها والثناء على المتفضل بها، ولكن: هل في عالم اليوم نجد تحققًا لهذه الأمور بأرض الواقع أم أن غالبية الناس وحتى بعض الأزواج والأبناء والأصدقاء أضحت سمة نكران الجميل كحد أقصى أو الشح بقول كلمة شكرًا كحد أدنى هن السائدات في التعامل؟!
هندسة مظللة لمفهوم الكرم
بسبب تكاثر المحتوى الإعلامي المغلوط والمنشور بشكل هندسي مضلل لترويج ساذج لمفهوم الكرم كما يقدمه بعض المهاييط، انصرف الانطباع العام عن غالبية الناس أن صفة الكرم لصيقة فقط وفقط بكبر حجم الموائد وكثرة الولائم وتنوع صنوف الأكل من المشويات والحنيذ والمندي والمحشيات وتعدد أطباق الحلى والمعجنات وكثرة أنواع المشروبات. ولا أفق آخر لمعنى الكرم في بعض الأذهان غير كثرة الإسراف في تقديم الطعام والشراب. نعم، من سمة أهل الكرم الاحتفاء بالناس وتقديم الطعام بكميات مناسبة ولكن لا يصل إلى حد الإسراف. فعند إذٍ يكون المسرف أخو الشيطان، والشيطان يعد الناس بالفقر والحاجة (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) سورة الإسراء، آية 27 /(الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) سورة البقرة، آية 268.
الأمثلة تُضرب ولا تُقاس
المثال الأول: عدد كثير من أعضاء قروب افتراضي يرون ويشاهدون مقاطع فنية ويقرؤون مشاركات نوعية مميزة على مدى سنوات، ويبخلون بقول شكرًا لكاتبها أو ناقلها أو مخرجها أو منتجها!! هل هذا من كرم الأخلاق أو أنه من نكران الجميل؟!
المثال الثاني: عدد من الناس يحضرون مجالس للذكر والإرشاد في بيوت الله ومجالس الناس الطيبين، ولكنهم بدل الثناء والشكر يتدافعون على أخذ البركة كأنما ينقضون على غنائم حرب. هل هذا من كرم الأخلاق أو أنه من نكران الجميل؟!
المثال الثالث: عدد ليس بالقليل يحضرون الأعراس تلبية للدعوة، ولكن بعضهم يفسدون الأجواء بالنقد المستمر لما تم تقديمه ومكان الفرح ونوع الطعام بدل الثناء والإطراء والشكر. هل هذا من كرم الأخلاق أو أنه من نكران الجميل؟!
المثال الرابع: عدد من الرجال / عدد من النساء عند أول تعارض للآراء أو إخفاق أحدهم في أداء أو تقصير غير متعمد، تشتعل الحرب وتستدعى القوات الأسرية للتدخل!!! هل هذا من كرم الأخلاق أو أنه نكران للجميل؟!
المثال الخامس : عدد من أهل العلم (الديني/الأكاديمي/ الطبي/ التعليمي)
عند أول تعارض للآراء أو إخفاق أحدهم في أداء أو تقصير غير متعمد، تشتعل المواقع والمنتديات وتستدعى الاصطفاف للتسقيط والنبذ!!! فهل هذا من كرم الأخلاق وأهل العقل أو أنه من نكران الجميل؟!من المستفيد
حتمًا هناك مستفيدون من سوء توظيف صفة الكرم وحشرها في زاوية البذل المسرف والتفاخر والاستفزاز بالأطعمة والحلويات. وكما يبدو لي أن أكبر مستفيد هم الطبالون الذين يقتاتون على موائد من يحب الهياط والمفاخرة بتقديم الطعام دون مبررات ودون مناسبات، وتجار المواد الغذائية لزيادة مبيعاتهم، ومحلات إعداد الحلويات ومنافذ بيع القهوة، وتطبيقات السوشل ميديا التي تحفز الناس على المقارنة واستساخ تجارب النفاق الاجتماعي. إن هدر الموارد المالية في التبذير والإسراف حتمًا سيؤدي إلى هدر فرص حالية ومستقبلية لأجيال قائمة وقادمة من تضخيم الثروة عبر الصناعة والتجارة والعمران والنمو والابتكار.
تصحيح مفهوم الكرم
يجب إعادة خوارزميات المفهوم الصحيح لمعنى ومصاديق معنى صفة الكرم لتتخطى الطعام إلى أمور عدة منها إكرام الوالدين، الأبناء، الزوجة، الجيران، أبناء الوطن، الإنسان، الكائنات الاخرى. ومن الصحيح والواجب:
أ- إكرام الأولاد عن طريق دعمهم بالتعليم المستمر والمساندة والتشجيع والتحفيز والحب وإحراز سكن لائق وتهيئة طيب المكان وتوفير الأغذية المناسبة والنصح والإرشاد.
ب- إكرام الزوجة عن طريق دعمها بالمساندة والتشجيع والتحفيز وحسن التبعل وتوفير كل ما يستطيع الزوج توفيره لها دون إسراف أو تبذير أو منٍّ أو أذى وتعزيز قيمة وجودها بالأسرة وحسن الإصغاء لها وفتح باب الحوار معها وتجنب جرح مشاعرها وتعزيز الشعور بالأمان لديها في وجود زوجها.
ت- إكرام الوالدين عن طريق دعمهما بالمساندة والبذل والتحفيز وحسن الإصغاء وتوفير كل ما يستطيع الابن القادر على توفيره لهما دون إسراف أو تبذير أو ترويج دعائي أو منّ وأذى، وتعزيز قيمة وجودهما بالأسرة وإن بلغوا عتيًّا من السنين وحسن الإصغاء لهما وحفظ كرامتهما وتجنب جرح مشاعرهما وتجنب ما قد يسبب الإحراج لهما.
ث- إكرام الجيران بحسن الجيرة وكف الأذى ومد يد العون عند الحاجة الملحة.
ج- إكرام العلماء والأكاديميين بحسن احترامهم والاعتداد برأيهم ومؤازرتهم، وتجنب استحقارهم أو التهكم عليهم. نعم للانتقاد الإيجابي الذي هو حق ويجب تقديمه بكل أدب وحفظ للكرامة.
ختامًا نذكر بأنه يجب تجنب الأشخاص الذين كما ورد وصفهم في أحد توجيهات الإمام علي (ع):
” يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ ومُصَادَقَةَ الأَحْمَقِ، فَإِنَّه يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ، وإِيَّاكَ ومُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ، فَإِنَّه يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْه، وإِيَّاكَ ومُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ، فَإِنَّه يَبِيعُكَ بِالتَّافِه، وإِيَّاكَ ومُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ، فَإِنَّه كَالسَّرَابِ، يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ، ويُبَعِّدُ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ “. فيا أيها القارئ المحترم، لا تجعل نفسك عرضة للحمقاء الذين يريدون أن يستفزوك تحت أي عنوان ليستنزفوك عاطفيًّا وماليًّا، وبعد استنفادك يراودون شخصًا آخر. وهكذا دواليك.



