
د. حجي الزويد
﴿وَما أَرسَلناكَ إِلّا رَحمَةً لِلعالَمينَ﴾ وربطها بيوم المبعث الشريف:
﴿وَما أَرسَلناكَ إِلّا رَحمَةً لِلعالَمينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
تشكل هذه الآية الكريمة جوهر الرسالة المحمدية وخلاصة معناها العميق فبعثة النبي محمد ﷺ لم تكن بعثة تشريع فحسب بل كانت بعثة رحمة شاملة امتدت لتطال الإنسان في إنسانيته والحياة في بعدها الواسع والمجتمع في علاقاته وقيمه.
يوم المبعث الشريف هو اليوم الذي تجلت فيه هذه الرحمة الإلهية بأوضح صورها حين اختار الله سبحانه نبيه ليكون رسولًا يحمل النور والهداية ويُخرج الناس من الظلمات إلى النور فكان المبعث إعلانًا إلهيًا بأن الرحمة هي الأساس الذي تُبنى عليه الرسالة وأن الهداية لا تقوم على القهر بل على اللطف والعدل والبصيرة.
لقد جاء النبي ﷺ في زمنٍ سادت فيه القسوة وتفككت فيه القيم وضاعت فيه كرامة الإنسان فجاءت بعثته رحمةً للعقل حين حررته من الخرافة ورحمةً للقلب حين خلصته من القسوة ورحمةً للمجتمع حين أقام ميزان العدل والتكافل واحترام الإنسان أيًا كان موقعه أو انتماؤه.
وتتجلى علاقة الآية بيوم المبعث في أن أول لحظة للوحي لم تكن لحظة تهديد أو ترهيب بل كانت لحظة بناء وتوجيه اقرأ فكانت الدعوة الأولى للعلم والفهم والوعي وهي أعظم صور الرحمة بالإنسان لأن الجهل أصل كثير من الآلام والانحرافات.
ويوم المبعث يذكّرنا بأن النبي ﷺ لم يكن رحمةً للمؤمنين فقط بل للعالمين جميعًا فشملت رحمته الضعفاء والمخالفين والأيتام والمساكين وحتى من أساء إليه فكان العفو والحلم والعدل سمات ملازمة لسيرته وهي التطبيق العملي لمعنى هذه الآية.
إن استحضار هذه الآية في يوم المبعث الشريف يجعلنا ندرك أن إحياء هذا اليوم لا يكون بالمظاهر وحدها بل بإحياء قيم الرحمة في سلوكنا ومواقفنا وتعاملنا مع الناس فالاقتداء الحقيقي بالنبي ﷺ هو أن نكون أدوات رحمة في بيوتنا ومجتمعنا وكلماتنا وقراراتنا
كما أن يوم المبعث هو دعوة متجددة لمراجعة مدى تمثيلنا لهذه الرحمة في واقعنا هل نحن صورة تعكس سماحة الرسالة أم سبب في تنفير الآخرين منها وهل كانت أخلاقنا جسورًا للتقريب أم حواجز للتباعد.
﴿وَما أَرسَلناكَ إِلّا رَحمَةً لِلعالَمينَ﴾ ليست وصفًا تاريخيًا بل مسؤولية مستمرة فكما بدأ يوم المبعث برسالة رحمة يجب أن يستمر أثره في حياة الأمة رحمةً في الفكر ورحمةً في السلوك ورحمةً في العمل لتبقى بعثة النبي ﷺ نورًا حيًا يسري في ضمير الإنسانية عبر الزمان.
يوم المبعث ميلاد الرحمة في تاريخ الإنساني:
تمثل هذه الآية الكريمة خلاصة الرسالة المحمدية ولبّ بعثة النبي محمد ﷺ إذ اختصر الله تعالى بها هدف النبوة ومعناها العميق فالرسول ﷺ لم يُبعث ليكون مصلحًا لفئة دون أخرى ولا لمرحلة زمنية محدودة بل بُعث رحمة شاملة للعالمين جميعًا إنسانًا وواقعًا وقيمًا ومصيرًا.
ويوم المبعث الشريف هو اليوم الذي تجلّت فيه هذه الرحمة الإلهية عمليًا حين نزل الوحي إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في تاريخ الإنسان مرحلة يُعاد فيها بناء العقل والضمير ويُصحّح فيها ميزان القيم ويُستعاد فيها معنى الكرامة الإنسانية فالرحمة لم تكن نتيجة للبعثة بل كانت أصلها وغايتها.
لقد جاءت بعثة النبي ﷺ في زمن غلبت فيه القسوة والظلم واستباحة الإنسان فجاءت الرحمة لتكون منهجًا لا شعارًا فكانت رحمة بالعقل حين دُعي إلى القراءة والتفكير والفهم وكانت رحمة بالقلب حين رُبط بالله بعيدًا عن الخوف المرضي والوثنية وكانت رحمة بالمجتمع حين أُقيم العدل وارتفعت قيمة الإنسان بغضّ النظر عن نسبه أو لونه أو مكانته.
ويوم المبعث هو اليوم الذي أُعلن فيه أن التغيير الحقيقي لا يقوم على الإكراه بل على الهداية وأن الإصلاح لا يُبنى بالقسوة بل بالرحمة الواعية ولهذا كانت سيرة النبي ﷺ التطبيق الحي لهذه الآية فقد جمع بين الحزم والعدل وبين اللين والعفو وبين القوة الأخلاقية والرحمة الإنسانية.
إن ارتباط هذه الآية بيوم المبعث يجعل من هذا اليوم محطة تأمل عميقة في طبيعة الرسالة فالمبعث لم يكن حدثًا تاريخيًا يُروى بل مسؤولية متجددة تُحمّل للأمة لتكون امتدادًا لهذه الرحمة في واقعها وسلوكها وخطابها وتعاملها مع الناس.
ويوم المبعث الشريف يذكّرنا بأن النبي ﷺ كان رحمةً حتى في أصعب المواقف رحمة بالمخالف ورحمة بالمسيء ورحمة بالضعيف ورحمة بالمجتمع كله وهذه الرحمة لم تكن ضعفًا بل كانت قوة أخلاقية غيّرت العالم وأقامت حضارة.
إن إحياء يوم المبعث على ضوء هذه الآية يعني أن نُحيي الرحمة في بيوتنا ومجتمعنا وخطابنا وأن نجعل من أخلاقنا انعكاسًا حقيقيًا لرسالة النبي ﷺ فكل سلوك يخفف ألمًا أو ينشر عدلًا أو يزرع طمأنينة هو امتداد حي لمعنى المبعث.
﴿وَما أَرسَلناكَ إِلّا رَحمَةً لِلعالَمينَ﴾ ليست آية تُتلى في المناسبات بل ميثاق أخلاقي دائم بدأ يوم المبعث وسيبقى ما بقيت الإنسانية بحاجة إلى الرحمة والهداية والنور.



