
أمير الصالح
يُنسب للشيخ محمد عبده المصري (ره) مقولة شهيرة مفادها: (رأيت في بلاد الغرب إسلامًا بلا مسلمين). وكانت الجملة تعبر بإيجاز عن الثرموميتر الشعبي لعامة الناس في الشرق الأوسط فترة الصدمة الحضارية بإنجازات الغرب حيث سعة الشوارع واحترام الحقوق وقوة الاقتصاد ونظافة المباني وتميز الخدمات وتوافر سبل العيش الكريمة ووفرة فرص العمل وحرية التعبير عن العقائد والأفكار والتوجهات والرأي وقوة القانون ومعاقبة الجريمة في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي؛ واستمرت المقولة سائدة المفعول على مدى زمني ليس بالقليل. تبنى البعض من أبناء الشرق الأوسط هذه المقولة للإشادة بالغرب والحلم الغربي للإشارة إلى قوة الالتزام بالمواعيد والوفاء بالعهود والصدق في المعاملة والأمانة بالتعامل وقوة الاقتصاد وحفظ حرية التعبير لدى الغرب المتحضر يومذاك. إلا أنه بعد إشعال عدة نكبات وحروب وانتشار عدة فضائح وإشكالات أخلاقية من قبل بعض أبناء الغرب، أخذ البعض في الشرق ولا سيما الشرق الأوسط والشرق الأدنى، يراجع بعض قناعاته السابقة ويتمحص بعض أفكاره. فأضحى السرد للأحداث في حروب: فلسطين وفيتنام وهندوراس وكوبا وأفغانستان والصومال واللعراق وليبيا والسودان وحديثًا فنزويلا آخذه في التمحيص والتفكيك وإعادة التركيب وإعادة قراءة السردية بصور أخرى. وأخذ الكثير من الناس حول العالم يراجع قناعاته في صدق وأمانة وعدالة وانضباط سلوك بعض إدارات الغرب وأهليتهم في أداء الأمانة والوفاء بالعهود وصيانة المواثيق والحيادية في القضايا الدولية واحترام كرامة الآخرين ومدى صدق شعارات الحرية وصيانة الإنسانية وحقوق الإنسان واحترام القانون الدولي!!
فأخذ البعض من أبناء منطقة الشرق الأوسط يطرح تساؤلات عدة:
من هم أعضاء المجتمع الدولي؟ ولماذا الكيل بمكيالين في قضايا متشابهة؟
هل الإنسان في مكان ما مميز وفي مكان آخر يعادل حشرة؟!
ومنها تساؤل: بأي عين رأى الشيخ عبده أن الغرب مسلمين دون إسلام ؟! فلكون الشيخ غير موجود حاليًّا في الدنيا، فلا أحد ينتظر ردًّا ممن رحل لدار الاخرة.
وأخذ البعض يسترسل ويشنع بأقوال الشيخ محمد عبده ويحاكم جملته، وأخذ آخرون تبيان وجهة نظرهم في سقوط الجملة المنسوبة بالاستشهاد بتدني منسوب العفة والحشمة وسقوط شعارات الغرب في أكثر من صعيد ومنطقة وطغيان صور الإباحية الجسدية والمتاجرة بمفاتن النساء وتزايد تعداد أبناء السفاح والشواذ والساقطات، وتنامي منسوب عدد الناكثين بالعهود حيث مُزقت المواثيق وهُتكت.
وقال أحدهم: رأيتَ في تلكم الدول الغربية من يهتم بكلبه ولا يهتم بوالدته، أو رأيت الكثير من الناس المشردين في الشوارع ومحطات القطار ومداخل بعض المطاعم، ولم أر قطًّا/ كلبًا مشردًا، أو رأيت المواخير والنوادي الليلية مليئة ولم أر كذا و كذا.. إلخ.
ويسترسل البعض بالقول: يا هذا لم تر سوى قانون انضباط في أماكن عامة ونظم الطرقات وتطاول البناء وعملًا ماديًّا متقنًا سعيًا وراء المال والربح لا لإعمار الأرض وخدمة الإنسانية وسعادتها .. ولم تر احتلالًا للبلدان وتنكيلًا بالشعوب وقتل الملايين ونهب الثروات وسحق عملتهم وتبخير مدخراتهم. هذا ما قد كتبه أو نشره المنتقدون لجملة الشيخ الآنفة.
مسؤولية تاريخية
أعتقد أن كل صاحب قلب رؤوف وبصيرة متقدة وأفق واسع ونسمات من رحمة عالية وأخلاق نبوية زاكية يتلمس ويتحسس ما دار ويدور في أفق الإنسانية بكل توجهاتها وتياراتها وأحزابها وصراع القوى بين الخير والشر. عليك أخي المنتقد الصادق النصوح مسؤولية كبيرة نحو كل أولئك الضحايا للماديات حيث إغواء الشياطين والتضليل الإعلامي وترويج الغرور والمغريات وتنوع أدوات الصخب والضياع والتفاهة. فقبل أن تسترسل في الانتقاد الحاد حد الإسراف دون أي حراك ايجابي لاضاءة الامل ، عليك واجب إنساني وأخلاقي واجتماعي وديني في إرشاد وتثقيف وزيادة منسوب الوعي لدى كل أولئك المغرر بهم أو المخدوعين أو المصدومين. من المفترض ودائمًا نسأل أنفسنا كأناس إيجابيين: ماذا نستطيع أن نصنع وكيف نساهم في إعادة توجيه أولئك المشوشين أو المغرر بهم أو المخدوعين في أية بيئة؟! وهل ساهمت في انتشال الآخرين من خطاياهم أو لا أقل من توجيههم أو محاولة كسب ثقتهم وإرشادهم نحو الحقيقة بدل شتمهم والتصادم معهم واستفزازهم.
الإنسان الواعي ومدعي الثقافة يمتنع عن الصلافة والجلافة والقذف وطعن الناس في أعراضهم، ويهتم بنشر الفضيلة وتعزيز مكارم الأخلاق وغرس السلوك الحسن. فرض آراء الشخص بالقوة على الآخرين، وشتم الناس المغرر بهم أمر منفر ودليل مبكر على خسران الحوار قبل البدء به. الإنسان ذو الضمير الحي مسؤول أمام الله في إعانة أخيه الإنسان في كل بقعة من الأرض لاستكشاف طريق الهداية والحقيقة والعدل. الصدق في الكلمة والرأفة في الحوار والأمانة في أداء العمل والالتزام بالوقت واحترام القيم السامية والالتزام بالمواثيق واحترام العهود ونبذ المحسوبية والنظافة والاستقامة وكل تلكم الأمور الطيبة وحسن الالتزام بأداءها تجعل الأشخاص الأسوياء مجبولين على الإقرار بنبل أصحابها لأنهم خير دليل على عظمة العدل والرحمة بالأرض وسيتأثرون إن عاجلًا أو آجلًا بحامليها.
منصات لكسب الأجر
روح الإنسان النابضة بالحياة والعطاء المستمر هي جوهر الأخلاق والسلوك والإيمان وليست ممارسة عادات وطقوس وشعارات وانفعالات لحظية عابرة. ولرد جزء من المعروف والجميل لنبي الإسلام، محمد (ص)، في ظل ذكرى المبعث النبوي الشريف، المرجو من كل أتباعه- وأفخر بأني واحد منهم- بان يكونوا نعم الداعين للقيم السامية والممارسين لها بحسن السلوك ولطيف الأخلاق وأداء الأمانة والوفاء بالعهود، والإعراض عن القذف والطعن باللسان وكثرة الهياط والنكاية وسوء الخلق، فإن حفيد النبي الإمام جعفر الصادق قال: “كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا. قولوا للناس حسنًا، واحفظوا ألسنتكم، وكفوها عن الفضول وقبيح القول”. وعليه ندعوا الجميع بأن يستثمر فرصة وجود الحاسوب / الجوال بيده لينشر ويعيد نشر ويكتب في العالم الرقمي أو الواقعي الكلام النافع والنصيحة المفيدة والقول الطيب. فإن الإنسان في الغرب والشرق متعطش لحفظ كرامته وصيانة كيانه، فليساهم كل منا بقدر استطاعته ولو بالكلمة الطيبة.




