أقلام

السيد علي رحل ولم يرحل

عيسى العيد 

عندما تتكرر الشخصية، أينما كانت، سواءً تاجرًا أو عالمًا، فإنها لا تضيف إضافة نوعية، لكن عندما تتميز في الدائرة التي تنتمي إليها، يكون لوجودها معنى وريادة. ومن خلال هذا التميز تستطيع التأثير في محيطها، ونقله من حالته الطبيعية إلى حالة أخرى. كما أن هذه الشخصية، عبر ريادتها في محيطها الاجتماعي، يتسع أفقها العقلي وتبدع في مجالها، إضافة إلى أن الريادة تمنح صاحبها كاريزما نوعية تفرض احترام الآخرين لها، حتى وإن اختلفوا معها في بعض الآراء والأطروحات.
سماحة السيد علي السيد ناصر السلمان، الذي فجعنا برحيله، هو عالم جليل يمتلك حصيلة علمية كبيرة. وقد ورث صفة رجل الدين عن والده سماحة السيد ناصر السلمان، وورثها بدوره إلى بعض أبنائه الذين يمارسون دور الوعظ والإرشاد الديني. ورغم انشغاله، عليه الرحمة، لم يقصر في تربية أولاده، فجميعهم متدينون ومتعلمون.
ورغم أن لسماحته باعًا كبيرًا في العلوم الدينية، إلا أنه امتلك ريادة ودورًا مهمًا في محيطه الاجتماعي منذ بداية انتقاله إلى حاضرة الدمام، عاصمة المنطقة الشرقية، حيث يندر وجود رجل دين شيعي في مجتمع يتميز بكثافة سكانية كبيرة. فاختار أن يكون بينهم ليرشدهم، ويحافظ على تدينهم، ويدعوهم إلى الانخراط في المحافل الوطنية، لإيمانه بأن الوطن حاضن كبير يسع جميع أفراد المجتمع على اختلاف مذاهبهم.
ومن خلال وجوده في الدمام، كان له حضور فاعل في المسجد الذي يقيم فيه صلاة الجمعة والجماعة. وعلى الرغم من أن له أماكن مكوث في الأحساء، حيث كان يحظى باحترام بالغ ومكانة مهمة في المجتمع، إلا أنه أدرك أنه لن يضيف جديدًا هناك، وقد يكون نسخة مكررة من غيره من السابقين أو الحاضرين، فاختار الريادة وتحمل مسؤولية دور مهم في منطقة لها مكانتها في ربوع الوطن.
ومن خلال وجوده، كما أسلفت، أسس مسجدًا تقام فيه صلاة جماعة كبيرة، ومارس فيه دور الوعظ والإرشاد. وكانت دعواته المتكررة للحفاظ على المكتسبات الوطنية، والبعد عن التشاحن الطائفي، وكان رحمه الله رمزًا للاعتدال الفكري والتعايش المجتمعي، وداعمًا للمشاريع التنموية والخيرية.
ولذلك انفتح على مسؤولي الدولة، وعلى رأسهم أمير المنطقة الشرقية، إيمانًا منه، رحمه الله، بأن المواطن الشيعي وغير الشيعي يجمعهم وطن واحد. ومن خلال هذا الانفتاح، استطاع معالجة كثير من الأمور، فحظي باحترام كبير ومكانة عالية، لصدقه في المنهج الذي انتهجه لخدمة دينه ومجتمعه، ولعلاقته الإيجابية مع الدولة والمجتمع الذي يعيش فيه.
ومن ريادته المعروفة، إسهاماته الوطنية ودعمه السخي لتلبية بعض احتياجات الناس عبر القنوات الرسمية، إذ أسس ودعم العديد من المشاريع الاجتماعية، من أبرزها مركز الكشف المبكر للسرطان، ومركز صحي متكامل في محافظة القطيف، بمبلغ تجاوز خمسين مليون ريال، سُلِّم لوزارة الصحة. وله إسهامات كثيرة لا حصر لها في هذا المجال. ولم يغفل عن إسهاماته الدينية، حيث كان الداعم الكبير للحوزة الدينية في الأحساء، أو بالأحرى مؤسسها وداعمها الرئيس.
ورغم امتلاكه هذه الشخصية النوعية، ترى فيه التواضع مع الصغير والكبير، وحرصه على تدينه، ودعوته للجميع إلى الامتثال والتمسك بالطقوس الدينية التي كان يراها ضرورة في حياة الناس. ولا زلت أتذكر عندما التقيت به في بعض الدعوات التي كان يُدعى إليها، أنه قبل خروجه من المنزل يصلي على النبي محمد ﷺ مائة مرة، ويدعو من حضر لممارسة الأمر نفسه، لقناعته بأن الصلاة على النبي تمنح صاحب الدعوة البركة. وكنت أمازحه وأقول له: إذا صلينا على النبي في هذا البيت، هل نحصل على نفس الأجر الذي يحصل عليه صاحب الدعوة؟ فيقول لي، وهو يضحك: لا تكن طماعًا، أنت أكلت الغداء، وأخذت ثواب تلبية الدعوة وثواب الصلاة على النبي، لكن صاحب الدعوة لا بد أن تكون له ميزة. وكان هذا من تواضعه، حيث يتلاطف مع من يكون معه، حتى وإن كان أصغر منه.
فرحمك الله يا سيدنا الكبير، لقد رحلت وخلفت فراغًا كبيرًا يصعب سده من بعدك. رحلت وما زلنا بحاجة إلى وجودك، فرحمك الله، وستبقى ذكراك خالدة في نفوسنا. إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى