
أحمد الطويل
مقدمة:
ليس كل رحيلٍ يُقاس بزمنه، فبعض الغياب يُحدث في الداخل ما لا تصنعه السنوات. يوم رحل العلامة الرباني السيد علي الناصر السلمان، لم يكن الخبر مجرد إعلان وفاة، بل لحظة انكشاف؛ شعرت الدمام وكأن شيئًا كان يحفظ توازنها قد انسحب بهدوء. لم يكن رجلًا يؤدي دورًا محددًا، بل حضورًا يطمئن القلوب دون أن يطلب منها ذلك. كان أستاذًا بالمعنى الواسع للكلمة، وأبًا لا يختص بأحد، بل يشمل الجميع، ومرشدًا يعيدك إلى نفسك قبل أن يوجّهك إلى الطريق. ومع غيابه، لم يظهر الحزن فقط، بل ظهر السؤال: كيف كنا نعيش بوجوده دون أن ننتبه، وكيف سنعيش بعده ونحن نحمل أثره؟
الأبوة التي لا تُعلن نفسها
لم تكن أبوة السيد علي صريحة أو مُعلنة، بل كانت تُمارَس في التفاصيل الصغيرة: في الإصغاء، في الصبر، في الطريقة التي يجعلك بها تشعر أنك لست عبئًا ولا عابرًا. كان يستقبل الناس كما لو أن لكل واحد منهم مكانًا محفوظًا في قلبه، لا فرق بين كبير وصغير، ولا بين من يعرفه منذ سنوات ومن جاءه للمرة الأولى. لم يكن يُكثر الكلام، لكنه حين يتكلم، تشعر أن العبارة وُضعت في مكانها الصحيح من روحك. كان حازمًا حين يلزم الحزم، ولكنه لا يجرح، وكان رحيمًا دون أن يُضعف الحق. ولهذا أحبه الناس بلا تكلف، لأنهم شعروا أن هذه الأبوة لم تكن وظيفة، بل طبيعة.
الأثر… لا السيرة
بعد رحيله، لم يتحدث الناس كثيرًا عن سيرته بقدر ما تحدثوا عن أثره، لأن الأثر هو ما يبقى حين يغيب الجسد. لم يكن أثر السيد علي صاخبًا أو مثيرًا للجدل، بل كان هادئًا وعميقًا، يشبه الجذور التي لا تُرى لكنها تثبت الشجرة. كان وجوده يخفف الاحتقان، ويعيد التوازن، ويمنح المواقف بعدًا أخلاقيًا قبل أن تكون آراء. وحين نتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ ندرك أن الأثر هو الامتحان الحقيقي للإنسان بعد رحيله، وقد ترك السيد علي أثرًا لا يُقاس بالكلمات، بل بما زرعه في النفوس من طمأنينة واستقامة.
وعيٌ عاش الزمن ولم يُسايره
كان السيد علي ابن زمانه دون أن يكون أسيره. يفهم الواقع، ويتعامل مع تعقيداته، لكنه لا ينجرف مع ضجيجه. لم يكن متشددًا يعزل نفسه عن الناس، ولا متساهلًا يفرّط في المبادئ. كان يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يقدّم المصلحة العامة على الرغبة الشخصية. اختلافك معه لم يكن يُشعرك بالتهديد، بل بالأمان، لأنه كان يُنصف الفكرة قبل أن يُخاصم صاحبها. وهنا تتجلى قيمة ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام: “قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه”، وقد أحسن السيد علي فن الجمع بين الحكمة والإنسانية في زمن قلّ فيه هذا التوازن.
اللمسة التي لا تُنسى
أقسى ما في رحيل السيد علي ليس فقدان علمه، بل غياب تلك اللمسة الإنسانية التي لا تُصنع ولا تُتعلَّم، بل تُولد مع صاحبها. كان يمتلك قدرة نادرة على أن يغيّر الناس دون أن يشعروا أنهم وُجّهوا، وأن يُصلح القلوب دون أن يجرحها بالنصح المباشر. حضوره وحده كان كافيًا ليعيد ترتيب الداخل، وكأن الطمأنينة كانت تمشي معه حيثما ذهب.
أذكر شابًا جاءه في أحد مواسم الحج مثقلًا بالحيرة، مضطربًا في سلوكه، متناقضًا في قراراته، لا يعرف من أين يبدأ ولا إلى أين ينتهي. لم يواجهه السيد علي بأسئلة قاسية، ولم يضعه في موضع الاتهام أو الوعظ، بل جلس إليه بهدوء الأب، استمع أكثر مما تكلّم، وترك له مساحة آمنة ليقول ما لم يكن قادرًا على قوله لأحد. لم يُمْلِ عليه طريقًا، بل قال له كلمات قليلة، صادقة، ثم ترك القرار بيده، وكأنه يقول له: أنا أثق بك قبل أن أثق بتغييرك.
ذلك الشاب لم يخرج بنصيحة محفوظة، بل خرج وهو يشعر أنه أصبح مسؤولًا عن نفسه لأول مرة. لم يتغير بين ليلة وضحاها، لكنه بدأ يتغير من الداخل، وهذا هو الفارق. تلك اللحظة تختصر فلسفة السيد علي في التربية: أن تصنع الإنسان لا القرار، وأن تحتضن القلق بدل أن تُدين الخطأ.
هذه اللمسة، التي تجمع بين الحنان والاحترام، بين الصمت العاقل والكلمة الموزونة، هي ما جعلت أثره ممتدًا في القلوب. كثيرون علّمونا، لكن قلة جعلونا نرغب أن نكون أفضل دون أن نشعر بثقل التوجيه، والسيد علي كان واحدًا من هؤلاء القلة.
وبعد سنوات، حين رأيت ذلك الشاب في موقع المسؤولية، أدركت أن السيد علي لم يكن يغيّر اللحظة، بل يصنع المستقبل بهدوء.
الخلاصة:
رحيل السيد علي لم يكن خاتمة رجل، بل بداية امتحانٍ صامت لكل من مرّ في ظله، وجلس في حضوره، وتربّى على يديه من حيث لا يشعر. الامتحان ليس في مقدار الحزن، ولا في صدق الدموع، بل في قدرتنا على أن نحمل ما كان يحمله: هذا الوعي الهادئ، وهذه الأبوة التي لا تُعلن نفسها، وهذا العدل الذي لا يطلب التصفيق.
بعض الرجال حين يرحلون يتركون فراغًا، لكن القلة النادرة يتركون ميزانًا أخلاقيًا نُقاس به بعدهم، والسيد علي كان من هؤلاء. لم يطلب أن نكون نسخة منه، بل أن نكون أوفياء لما أيقظه فينا: أن نصغي قبل أن نحكم، وأن نحتضن الإنسان قبل أن نقيّمه، وأن نختار الحق ولو بصمت.
فإن استطعنا، بعد رحيله، أن نكون أكثر إنصافًا، وأكثر رحمة، وأكثر وعيًا بثقل الكلمة وأثر الموقف، نكون قد أبقيناه حيًا بيننا، لا في الذكرى ولا في الرثاء، بل في السلوك الذي لا يموت. وهنا فقط، نكون قد نجحنا في الامتحان.
اللهم ارحم عبدك السيد علي رحمةً تليق بما زرع من خير، واجعل أثره نورًا ممتدًا في القلوب، وألهمنا أن نكون أوفياء للقيم التي عاشها، واحشره مع محمد وآل محمد في مقعد صدقٍ عندك.



