
أحمد العطافي
لم تنتهِ العزائم غير المناسبة، وإنما تغيرت أسماؤها فقط وتم تهذيب القبح لغويًّا وأُلبس الإسراف ربطة عنق وسمي “تكريمًا” والحقيقة الصادمة أن ما يحدث اليوم ليس سوى بذخ يمارس بخبث اجتماعي ويسوّق على أنه فعل نبيل، بينما هو في جوهره استعراض فارغ.
أن زمن العزائم غير المناسبة قد ولى وأن المجتمع بدأ يراجع نفسه بعد موجات متلاحقة من النقد والتذمر، ولكن البذخ لا يموت وإنما يغير أقنعته بحيث أخذ يخلع ثوب “العزيمة” ليرتدي عباءة“التكريم”، ويتخفّى خلف لافتات براقة وهي تكريم فلان احتفاءً بإنجاز، وعشاء فاخر على شرف فلان، وكأن الإسراف إذا غُير اسمه صار فضيلة وإذا زُين خطابه أصبح ضرورة اجتماعية.
نحن أمام طريقة ملتوية للبذخ لا تعلن عن نفسها صراحة، ولكنها تمارس بثقة كاملة وبمباركة الصمت العام وتقام الولائم دون مناسبة حقيقية وترص الطاولات بألوان الطعام وأصنافه بينما يُكتفى بتعليق صورة المكرَّم في الخلفية لتبرير هذا السيل من الصرف وكأن التكريم لا يكتمل إلا بالإفراط ولا يصدق إلا إذا كان العشاء فاخرًا وفاتورة تُدفع لإشباع نزعة مرضية نحو حب الظهور والقائمة طويلة والمكان باهض.
إنه تكريم دون سبب حقيقي ودون أثر ودون حاجة، بل مجرد اسم يُعلق على جدار. فهل يحتاج التكريم إلى مائدة تنوء بثقل الطعام؟ أم أن كرامة الإنسان باتت تُقاس بعدد الأطباق – والسؤال الذي يقهرهم ويهربون منه دائمًا: أليس الفقراء أولى؟
ولكن هذا السؤال غير مرحّب به في قاعات البذخ فالفقراء لا يجملون الصور ولا يضيفون هيبة للمكان ولا يصفقون بحرارة. ولذلك يُدفعون إلى الهامش ويستبدلون بمقاعد فاخرة وكاميرات عالية الدقة فالقافلة تسير، ولكنها قافلة من الوهم يجرها المال ويقودها الغرور ومن خلفها يسير شحاذون لا يطلبون صدقة إنما “لقطة” تجمل حساباتهم.
منهم شحاذو إعجاب وشحاذو حضور يلهثون خلف كل وليمة يلتقطون الصور وكأنهم يوثّقون إنجازًا تاريخيًّا، بينما هم في الحقيقة يباركون الإسراف ويمنحونه شرعية زائفة والأخطر من البذخ نفسه هو: الصمت – صمت المجتمع الغيور وصمت المثقفين العقلاء وصمت من يعرفون أن ما يحدث خطأ، ولكنهم يفضّلون السلامة الاجتماعية على قول الحقيقة. هكذا يتحول الخطأ إلى عادة والعادة إلى ثقافة والثقافة إلى معيار يحاسب من يخرج عنه.
لم يعد البذخ استثناءً إنما أصبح قاعدة ومن لا يشارك فيه يُتهم بالبخل، ومن ينتقده يُوصف بالحسد وكأن الاعتراض على الإسراف جريمة وكأن المطالبة بالعقلانية رذيلة! فمتى تقف ظاهرة البذخ ومتى سيستمر المشهد العبثي: طعام يُرمى وصور تنشر وفقراء يُنسون وتكريم لا يكرم أحدًا سوى الغرور.
نعم – تقف هذه الظاهرة حين ندرك أن التكريم الحقيقي لا يقاس بسعر الوجبة إنما بأثر الفعل – تقف حين نكف عن التصفيق للإسراف ونتوقف عن تصويره ونكسر حلقة التواطؤ الصامت – حتى ذلك الحين ستستمر القافلة في سيرها وسيظل السؤال معلقاً في الهواء : من نكرّم حقاً الإنسان… أم مظاهرنا ؟ .



