
علي بوخمسين
حينما تغيب الشمس، تبدأ رحلة العطاء في الذاكرة؛ رحلة سيد العطاء وحكيم العلماء، آية الله السيد علي السيد ناصر السلمان، التي انطلقت منذ قرابة سبعةٍ وخمسين عامًا، مع عودته إلى الوطن، وتحديدًا إلى مدينة الدمام، لتبدأ مسيرة عطاء مميّزة بكل ما تعنيه الكلمة.
باشر، منذ بداية إقامته في مدينة الدمام التي كانت آنذاك في بداياتها الأولى المتواضعة، العمل على بناء المجتمع والنهوض به، من خلال تبنّيه إطلاق منظومة متكاملة تُعنى برعاية المجتمع والارتقاء بالجوانب العلمية والدينية والاجتماعية. فبدأت ثمار وجوده المبارك تنضج تدريجيًا وتؤتي أُكلها، ولمس المجتمع أهمية شخصيته المحبوبة، وقدر علمه الغزير، وأحسّ بعطفه وحبه للجميع، وأيقن بحكمته في إدارة شؤون المجتمع.
فالتفّت القلوب حوله، وأحبه المجتمع بكل أطيافه، وأصبح هذا السيد رمزًا وطنيًا بامتياز، ولا سيما بعد التفجير الإرهابي الذي استهدف الجامع الذي كان يقيم فيه صلاة الجمعة. تلك الحادثة المأساوية التي هزّت الوطن بكل مفاصله، غير أن هذا السيد الجليل، بحكمته، أبطل كيد المعتدين، وأعلنها واضحة للجميع: أننا يدٌ واحدة ضد الإرهاب، وأننا أبناء هذا الوطن وجزء أصيل منه، نقف تحت قيادته الرشيدة، ومع جميع أبنائه في السراء والضراء.
فالتفّ الجميع تحت عباءته، وكان موقفه التاريخي علامة فارقة أكدت اللحمة الوطنية في تلك الظروف الصعبة، فبرز كربّان سفينةٍ ماهر واجه أمواجًا عاتية في بحرٍ متلاطم، وبصفته قائدًا مقتدرًا أوصل ركّابها إلى برّ الأمان.
وكان السيد الراحل، الفقيد السعيد، يؤكد دومًا أهمية اللحمة الوطنية والحفاظ على السلم الاجتماعي، وهو ما انعكس إيجابًا على الساحة الاجتماعية في المنطقة. كما اهتم، رحمه الله، بنشر الوعي الديني السليم المنطلق من المبادئ الإسلامية السمحة، وشدّد على أهمية العمل الاجتماعي والخدمة المجتمعية.
فدعم جمعية سيهات – فرع الدمام، وحثّ الجميع على التعاون معها، وركّز على دعم المشاريع الاجتماعية ذات النفع العام. وباشر بنفسه إنشاء عددٍ من المشاريع الصحية المميّزة، من بينها مركز للكشف المبكر عن أمراض السرطان، ومشروعان آخران كمراكز صحية أنموذجية في المنطقة. كما رعى شؤون محكمة الأوقاف والمواريث، وأمّ صلاة الجمعة والجماعة، وأولى رعايته الشخصية للعديد من المشاريع الدينية، كتعليم القرآن الكريم، ومجالس الصلح الاجتماعي، وحملات الحج، وغيرها.
فكانت اهتماماته شاملة لمختلف الجوانب التي تخدم المجتمع وتحقق مصالحه، وكل ذلك بتنسيق شامل وإشراف تام من الجهات الحكومية ذات العلاقة. ولحرصه على المنهجية العملية السليمة والشفافية، جاء عمله منظمًا يحظى برضا الجميع، مجسّدًا دور رجل الدين الخادم لأمته ووطنه ومجتمعه.
كان كشمسٍ مضيئة أنارت للجميع، وأمدّت الجميع بالدفء والحياة، وغمرت المجتمع بنور البصيرة، وعلّمت الجميع أن الشمس تعطي بغير مقابل. فكم كان عطاؤه عظيمًا، وكم سيفتقده هذا المجتمع الذي أحبه، بل عشقه.
فلله ما أخذ، ولله ما أعطى. وكم سيحنّ الجميع إلى مقدمه الشريف، وكم سيفتقد المنبر صوت تكبيرته الخاشعة، وكم سيحنّ إليه المحتاجون وهو يتفقدهم، وكم سيبكي عليه الأيتام لفقده.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
وهنيئًا لك ما قدّمت، وأنت تُقبل على ربك الكريم محاطًا بحب الجميع، فكل من عرفك يدعو لك دعاءً صادقًا بالرحمة والمغفرة. ما زال صوتك يطرق ذاكرة القلوب، وأنت في كل جمعة تذكّرنا بمكارم الأخلاق، وتأمر بالتقوى، وتدعو إلى الفلاح، وتوصي بالنساء خيرًا، وتنهى عن التباغض، وتحث على صلة الأرحام وقراءة القرآن.
فأيُّ عظيمٍ فقدنا، وأيُّ رزءٍ جليلٍ حلّ بنا. وإن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب. رحمك الله يا أبا هاشم، وجزاك الله عنا خير الجزاء. فقد كنت، والله، أبًا رحيمًا للجميع، ودالًا على الخير، وفاعلًا له. خبرناك فلم نرَ فيك إلا جميلًا؛ كنت للدين ناصرًا، وللباطل خصمًا.
وعند مغيب الشمس يُفتقد النور، وبغيابك فَقْدٌ لا يُعوَّض، وحسرة لا تزول. وكيف لنا أن ننسى أياديك البيضاء وسجاياك الحميدة؟ فيا له من خطبٍ فادحٍ ألمّ بنا برحيلك، أيها الرفيع الشأن. ولكن عند الله نحتسبك، وهو أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والبقاء لله وحده.



