
غسان بوخمسين
في عصر “الانفجار الرقمي” الذي نعيشه، لم تعد المعلومة حكرًا على المؤسسات الأكاديمية أو المصادر الرسمية، بل انتقلت السلطة المعرفية إلى يد من يملك “الكاميرا” وقوة “التأثير”. وبين الحين والآخر، تطل علينا وجوه مألوفة لمؤثرين، لا ليقدموا نصيحة تقنية أو محتوى ترفيهيًّا، بل ليمارسوا دور “كاشفي المستور” والناصح الأمين. بلهجة الواثق، يبدأ أحدهم بسرد قصصي مشوق حول “المؤامرة” خلف نظام التعليم، بادّعاء أنه لم يُصمم لخدمة البشرية بل لاستعبادها، ومن ثم يعرج على أنظمة مهنية أو تقنية أخرى مثل “قواعد البيانات الوطنية” ليصفها بأنها أدوات “للسيطرة الرقمية”.
هذه الدعوات المتكررة تحولت إلى ظاهرة تثير الارتباك الاجتماعي وتضرب جذور الثقة في مؤسسات الدولة، محولةً النقد من وسيلة للتطوير إلى معول هدم لا يقدم لجيل الشباب سوى التيه والعدمية، دون طرح بدائل واقعية تضمن استمرار الحياة بحدها الأدنى من النظام والكفاءة.
نظام التعليم ضحية تجار الشك
يُعد النظام التعليمي الهدف الأول لهؤلاء المؤثرين. الإستراتيجية المتبعة هنا هي “الاجتزاء التاريخي”؛ حيث يجري الترويج لمقولة أن التعليم المدرسي الحديث نشأ في أعقاب الثورة الصناعية لتخريج “عمال مصانع” مطيعين، ومن ثم يتم سحب هذه المقولة على الواقع المعاصر لإقناع الطلاب وأولياء الأمور بأن المدارس والجامعات هي “سجون للعقول”.
الخطورة تكمن في أن هذا الطرح يتجاهل عمدًا تطور الفلسفة التربوية. فالتعليم اليوم ليس مجرد “تلقين”، بل هو الحاضنة الكبرى للتفكير النقدي والبحث العلمي. إن الهجوم على “فكرة المدرسة” يغفل حقيقة أن التعليم المؤسسي هو الذي نقل البشرية من عصر الأمية إلى عصر الذكاء الاصطناعي. حينما يقنع مؤثر ملايين الشباب بأن “الشهادة مجرد ورقة”، هو لا يحرر عقولهم، بل يحرمهم من الأدوات المنهجية التي تمكنهم من فهم العالم، ويتركهم لقمة سائغة للتضليل. المدرسة الحكومية تحديدًا هي التي تمنح الفرصة لأبناء الطبقات البسيطة للارتقاء المعرفي، والتشكيك فيها دون بديل واقعي هو دعوة لتعميق الفجوات الطبقية وإعادة المجتمع إلى عصر العشوائية.
نماذج من التضليل: كيف تقلب الحقائق؟
لإغناء هذا الجدل، يطرح هؤلاء المؤثرون نماذج تبدو منطقية في ظاهرها ولكنها خاوية من العمق:
1. أنموذج “سلب الفردية”: يدعون أن الزي الموحد والالتزام بالوقت يهدف لتحطيم شخصية الطفل، بينما الحقيقة أن هذه التنظيمات وُجدت لتقليل الفوارق الطبقية وغرس قيم العيش المشترك والانضباط.
2. أنموذج “التجهيل المتعمد”: يزعمون أن المناهج محشوة بمعلومات “غير نافعة”. وهم بذلك يضربون مبدأ “التراكم المعرفي”؛ فبدون قاعدة عريضة من الرياضيات والتاريخ، لا يمكن بناء عقل قادر على التخصص والابتكار مستقبلًا.
قواعد البيانات الوطنية.. والشك في “الرقابة الرقمية”
وعلى غرار التعليم، يمتد التشكيك ليشمل أنظمة “رقمنة البيانات” و”السجلات الحيوية”. يطل علينا مؤثرون ليحولوا “السجل الطبي الموحد” أو “قواعد بيانات الطلاب” إلى “ملفات أمنية” تهدف للسيطرة على البشر وتصنيفهم.
والحقيقة التقنية التي يغفلها هؤلاء هي أن هذه البيانات هي “البنية التحتية” للمستقبل؛ فبدون سجل صحي موحد لا يمكن إنقاذ مريض غائب عن الوعي في مدينة أخرى، وبدون بيانات تعليمية دقيقة لا يمكن للدولة أن تبني مدرسة أو توفر دعمًا لمستحقيه. تصوير “المعلومة” كأداة قمع هو دعوة للعودة إلى العصور البدائية، مما يسبب ارتباكًا تقنيًّا يجعل الفرد يخشى من أبسط الإجراءات التنظيمية التي تصب في مصلحته وتسهل حياته اليومية.
أزمة “الهدم بلا بناء”: ارتباك مجتمعي شامل
إن جوهر المشكلة في هذه الدعوات هو أنها “عدمية”؛ تبرع في هدم الموجود ولا تملك لبنة في بناء البديل. الناقد الحقيقي هو من يشير إلى خلل في المناهج أو يطالب بتحسين حماية البيانات. أما المؤثر الجدلي، فيكتفي بسحب بساط الثقة من تحت أقدام المؤسسات، تاركاً المتلقي في حالة “شلل”.
هذا الشلل يترجم إلى ارتباك اجتماعي خطير؛ فالشباب يتمردون على المسارات الجادة بحثًا عن “وعي مزيف”، مما يؤدي إلى تراجع جودة الكفاءات الوطنية. كما أن الأسر تجد نفسها في صراع دائم بين قيم “المؤسسة” وصخب “المؤثرين”، مما يمزق النسيج الاجتماعي ويخلق جيلًا يعيش في ريبة دائمة من كل ما هو رسمي ومنظم.
مخاطر “تآكل المرجعية”
عندما يصبح “المؤثر” هو المصدر الوحيد للحقيقة، تتراجع قيمة “الخبير”. هذا التآكل يعني انهيار منظومة الاحترام القائمة على التخصص. المجتمع الذي يصدق شخصًا خلف كاميرا في قضية تربوية أو تقنية معقدة، ويكذب المؤسسات البحثية، هو مجتمع يسهل التلاعب به وسوقه نحو قرارات كارثية تمس أمنه واستقراره.
سبل المواجهة: نحو مناعة فكرية
إن مواجهة هذا التشكيك تتطلب رفع كفاءة الوعي الجمعي:
• سلاح التفكير النقدي: تدريب المجتمع على سؤال: “ما هي مصلحة هذا الشخص من إثارة الجدل؟ وما هو البديل العملي الذي يقدمه؟”.
• المبادرة المؤسسية: على المؤسسات التعليمية والتقنية شرح “فلسفة الأنظمة” بلغة جذابة، لسد الثغرات أمام المضللين.
• المناعة الرقمية: غرس ثقافة “التثبت” لدى الشباب، بحيث لا تُقبل معلومة دون سند علمي أو تاريخي موثق.
المسؤولية الجماعية: إدراك أن إعادة النشر تساهم في هدم الثقة. المجتمع القوي هو الذي “يعزل ثقافياً” دعاة الفوضى.
في الختام، إن المؤسسات التعليمية والتقنية هي الركائز التي منحت مجتمعاتنا الاستقرار. ومن السهل جدًّا هدم هذه الجهود بكلمات رنانة تداعب العواطف. ولكن المسؤولية تقع علينا في التمييز بين “النقد الذي يبني” و”الشك الذي يهدم”. إن الحفاظ على تماسك مؤسساتنا هو حفاظ على مستقبل أبنائنا، والمجتمع الواعي هو الذي لا يسلم عقله لمن يبيعونه القلق والريبة مقابل حفنة من المشاهدات. الإصلاح يبدأ من الداخل، لا بنسف الأسس وترك الناس في عراء الجهل والارتباك.



