أقلام

كيف تعيد المناجاة بناء الإنسان من الداخل

زاهر العبد الله

ليست المناجاة الشعبانية نصًّا دعائيًا يُقرأ في موسمٍ محدد، ولا خطابًا تعبديًا يهدف إلى تفريغ شعورٍ عابر بالذنب أو القصور، بل هي تجربة روحية عميقة، تعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبربه، وتؤسس لنمطٍ مختلف من الوعي والعبودية.

كثيرون يقرؤون المناجاة الشعبانية ويشعرون أنها تتجاوز حدود الدعاء المألوف، وكأنها تُسقِط شيئًا في الداخل قبل أن تمنح شيئًا من الخارج. وهذا الإحساس ليس وهمًا؛ لأن هذه المناجاة لا تبدأ من الطلب، بل من نزع الأوهام التي تراكمت في النفس عبر الزمن.

نزع وهم الاستقلال

أول : ما تهدمه المناجاة هو وهم الاستقلال والحرية الخادعة؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يتخيّل نفسه فاعلًا مطلقًا، قادرًا على إدارة مصيره بعيدًا عن الله.

فعندما يقول الداعي:

«ووقفت بين يديك مستكينًا لك، متضرعًا إليك… وبيدك لا بيد غيرك زيادتي ونقصي ونفعي وضرّي»

فإنه لا يصف موقفًا جسديًا، بل يعلن سقوط كل المساندات النفسية التي كان يتكئ عليها: قوته، فكره، مكانته، وما تعلّق به في هذا العالم.

هنا لا يهرب الإنسان من العقوبة، بل يهرب من وهم القدرة الذاتية المطلقة، ويقف عاريًا من الادعاء بين يدي الله.

العلم الإلهي… ليس تكرارًا

قد يتساءل البعض: لماذا تكرّر المناجاة الإقرار بأن الله يعلم كل شيء؟

والجواب أن هذا ليس تكرارًا إيمانيًا، لأن العلم هنا ليس علمًا معلوماتيًا، بل علمٌ قيّوميٌّ محيط.

الله سبحانه لا يعلم الإنسان لأن الإنسان يُخبره، بل لأن وجود الإنسان نفسه قائم به.

ولهذا تُعلّم المناجاة الداعي أن يتوقف عن إصلاح صورته أمام الله؛ فالصورة لا قيمة لها عند من يرى مكنون السر، وجوهر النية، وحقيقة المعتقد.

الإلحاح… تربية لا إقناع

الإلحاح في الطلب ليس محاولة لإقناع الله، فالواحد الأحد الفرد الصمد غني عن الإقناع.

إنما هو تربية للذات الأنانية التي لا تخضع إلا للقوي.

وحين يكرّر الإنسان: «وبيدك لا بيد غيرك» فإنه يعيد ضبط بوصلة وعيه:

فاعلٌ حقيقي واحد، وكل ما عداه مجرّد مجاري فعل.

وهنا يلتقي مضمون المناجاة مع قوله تعالى:

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾

حيث تُجبر النفس على مواجهة حقيقتها دون تبرير.

قيمة الإنسان الحقيقية

قد يُظن أن هذا المسار يُفرغ الإنسان من قيمته، لكن العكس هو الصحيح.

المناجاة لا تسلب الإنسان قيمته، بل تعيدها إلى أصلها.

فقيمة الإنسان ليست فيما يملك، ولا فيما يُتقنه، بل في صدق انكشافه على واقعه، وفي شجاعته على مواجهة ضعفه أمام أهوائه ورغباته.

ولهذا تبلغ المناجاة ذروتها في قولها:

«إن كنت غير مستأهلٍ لرحمتك فأنت أهلٌ أن تجود بكرمك»

هنا يتحرر الإنسان من عقدة الاستحقاق، ويتعلّم أن العلاقة مع الله ليست صفقة أخلاقية، بل فيض كرمٍ لا ينتهي، ووجودٌ لا ينقضي.

الذنب… بداية الطريق لا نهايته

في الرؤية العرفانية التي تعكسها المناجاة، لا يُنظر إلى الذنب بوصفه نهاية الطريق، بل بدايته إن ولّد وعيًا.

فالاعتراف الصادق بالذنب ليس تدميرًا للذات، بل تحريرٌ لها من خداع الأنا، لأن الانكسار الصادق بين يدي الله أقرب من طاعةٍ مشوبة بالغرور.

عبادة الأحرار

وتبلغ المناجاة قمتها الروحية في العبارة الصادمة:

«وإن أدخلتني النار أعلمت أهلها أني أحبك»

وهي عبارة تعبّر عن أرقى مقامات العبودية، تلك التي وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعبادة الأحرار، حيث لا تُعبد الجنة طمعًا، ولا تُخاف النار رهبة، بل يُعبد الله لأنه أهلٌ للعبادة.

هنا تنقطع كل أشكال التدين النفعي، ويولد الحب غير المشروط.

المناجاة والشباب المعاصر

المناجاة الشعبانية لا تطلب من الإنسان الهروب من ضغوط العصر، ولا الانسحاب من واقع الحياة، بل تطلب ألّا يُختطف داخليًا، وألّا تُصادر أفكاره، وألّا تُؤسر روحه بسحر اللذة أو خداع الخطاب الاستهلاكي.

إنها تدعو إلى أن يكون الإنسان حاضرًا في العالم، لكن بروحٍ متعلّقة بالله، الفاعل والمؤثّر والنافع والضار الحقيقي. وهذا بالضبط ما يحتاجه الشباب المثقّف اليوم:

دينٌ يعيد بناء الداخل، لا خطابًا يزيد الحمل الخارجي.

خاتمة

المناجاة الشعبانية ليست نصًا يُقرأ، بل مرآة صافية يرى الإنسان فيها حقيقته، ويتحرّك أمام جمال الحق سبحانه وكرم عطائه.

وأخطر ما فيها أنها تُشعر القلب بحضور الله،

وأجمل ما فيها أنها تمنح لذّة المناجاة بين يديه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى