
أحمد الطويل
مقدمة:
كم من وقتٍ رحل فيه الحكيم من حولنا، قبل أن ندرك أن غيابَه لن يملاؤه أحد؟
ليس كل عطاءٍ فضيلة، ولا كل حكمةٍ خلاصًا. كثير من العطاء فسد بسبب استعجال، وكثير من المعرفة أقصت لأنها افتقرت للرحمة، وكثير من الحضور كان مجرد صورة فارغة، لا تعطي الإنسان الأمان الذي يحتاجه. الأخطر من غياب الحكماء أن نعتاد العيش دونهم، ثم نصحو يومًا ونجد أنفسنا محاصرين بقرارات لا تحتمل الخطأ، في عالم لا ينتظرنا فيه أحد.
في لحظات كهذه، لا يسأل العقل عن الكلمات، ولا يسأل القلب عن المشاعر، بل يبحث عن الإنسان الذي جعل الحكمة مأوى لا سيفًا، والعطاء وعيًا لا استعراضًا. هنا يتغير السؤال من: ماذا قدّم هذا الرجل؟ إلى: كيف غيّر معنى الأمان في حياة من حوله؟
عند السيد علي بن السيد ناصر السلمان، لم تكن الحكمة زينة فكرية، ولا العطاء اندفاعًا عاطفيًا، بل مسار واحد يُدار بالعقل ويُحرس بالأخلاق. حضوره لم يكن موقعًا أو دورًا، بل وطنًا؛ شيء أقرب إلى مأوى داخلي، يُحتوى فيه الاختلاف، وتُصان فيه الكرامة، ويشعر كل إنسان أنه في مكانٍ لا يُقصيه ولا يتركه وحيدًا.
العطاء حين يخرج من وعي
العطاء في منطق القرآن ليس حركة يد، بل رؤية قلب وعقل. قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّىٰ تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾.
فالبر هنا ليس الكثرة، بل الصدق، وليس الاستعراض، بل الأثر.
ما ميّز عطاء السيد علي أنه لم يكن موسميًا ولا ردّة فعل، بل مشروعًا طويل النفس. كان يرى الحاجة قبل أن تُعلن، ويعمل بصمت قبل أن يُشكر. لذلك جاءت منجزاته الملموسة من مراكز صحية، ومشاريع رعاية، ومبادرات مجتمعية امتدادًا لفهم عميق لمعنى المسؤولية، لا رغبة في الحضور أو تسجيل المواقف.
لكن الأهم من المباني، أنه كان يزرع في الناس إحساسًا بالكرامة؛ كأن العطاء عنده ليس سدّ نقص فقط، بل إعادة توازن داخلي لمن يأخذ. وهذا هو الفرق بين من يعطي ليُقال عنه كريم، ومن يعطي لأنه لا يستطيع أن يرى الإنسان مكسورًا.
الحكمة التي لا تعزل صاحبها
الحكمة في القرآن ليست معرفة مجردة، بل نور يُحسن صاحبه السير وسط التعقيد. قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
والخير الكثير هنا ليس كثرة الإجابات، بل سلامة القرار.
السيد علي كان حكيمًا لأنه لم يكن أسير رأيه، ولا سجين موقعه. يفهم الواقع دون أن يذوب فيه، ويحفظ الثوابت دون أن يتحول إلى قاضٍ على الناس. اختلافك معه لم يكن يُشعرك بالإدانة، بل بالإنصاف، لأنه كان ينظر إلى الإنسان قبل أن يحاكم الفكرة.
وقد لخّص أمير المؤمنين عليه السلام هذا المعنى بقوله المشهور: “قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه”.
وكان إحسان السيد علي الأوضح هو قدرته على الجمع بين العقل والرحمة، بين الحزم والاحتواء، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
حين تتجلى الحكمة في القرار
أقسى امتحانات الحكمة ليست في الكلام، بل في لحظة القرار.
أن تختار في الوقت الضيق، وتتحمل تبعات الاختيار، دون أن تبحث عن تبرير أو تصفيق.
موقفه الحاسم بإغلاق مصلى النساء قبل حادثة التفجير لم يكن قرارًا إداريًا عاديًا، بل مثالًا نادرًا على الحكمة التي تسبق الكارثة. جمع المعلومات، استشار، قدّر المخاطر، ثم تحمّل مسؤولية القرار كاملة.
وهنا يتجلّى قوله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، كآية حياة، لا كنص يُتلى بعد فوات الأوان.
وحين وقع الحدث، بقي ثابتًا، موجّهًا، هادئ الصوت، كأن الطمأنينة استعارت ملامحه. لم يزد الذعر، ولم ينسحب، بل أكمل الصلاة، وأعاد الناس إلى وعيهم. تلك لحظة لا يصنعها علم فقط، بل شجاعة أخلاقية عميقة.
العطاء الذي يصنع الإنسان
من أخطر أوهام العمل الاجتماعي أن نعتقد أن النجاح هو إنجاز المهمة فقط.
السيد علي كان يذهب أبعد: يصنع الإنسان القادر على الاستمرار بعده.
كان يوزع الأدوار، ويبني الفرق، ويُشعر كل فرد بقيمته، لا بوظيفته فقط. يعلّم بالفعل قبل القول، وبالثقة قبل التوجيه. لذلك، لم تتوقف مشاريعه عند حياته، لأن روحه كانت قد زُرعت في من حملوا المسؤولية من بعده.
وهنا نستحضر قول الإمام الصادق عليه السلام: “كونوا دُعاةً لنا بغير ألسنتكم”.
وقد كان السيد علي دعوة صامتة للأخلاق، وللعمل، وللحكمة التي لا تتعالى على الناس.
الخلاصة:
ليس المؤلم أن يرحل الحكيم، بل أن نكتشف بعد رحيله أننا كنا نعيش في ظله، غير مستعدين لحمل نور الشمس التي حملها هو.
السيد علي لم يترك فراغًا، بل ترك امتحانًا لا يُمحى: هل سنحمل العطاء ونحميه، أم نحوله إلى استعراض؟ وهل سنمارس الحكمة، أم نخفي ضعفنا خلف كلماتها؟
من السهل أن نرث المباني، ومن السهل أن نمجد السير، لكن الأصعب أن نرث الاتزان، وأن نتحمّل مسؤولية القرار حين لا يُسمح بالخطأ. من كان الحكيم وطنًا، لا يُرثى… بل يُمتحَن من بعده.
من لا يتحمّل إرث الحكمة، سيحوّلها إلى ذكرى جميلة، ثم يكرر الأخطاء نفسها باسم الوفاء، ويبقى وطنه الداخلي خاويًا على علاته، كأن الحكمة نفسها غُصت دون أن يجد من يحييها.
وهكذا، بعد كل ما رأينا وعشناه من حكمته وعطاءه، وبعد أن لمسنا أثره في كل قرار، وكل قلب، وكل روح.
بعد كل هذا، هل عرفنا حقًا سر لقبه: “سيد العطاء، وحكيم العلماء”؟
اللهم ارحم عبدك السيد علي رحمة من جعل الحكمة عطاءً، والعطاء أمانًا، واجعل ما قدّم شاهدًا له لا عليه، وألهمنا أن لا نختصر سيرته في كلمات، بل نترجمها وعيًا، وعدلًا، ومسؤولية، واحشره مع محمد وآل محمد في مقعد صدقٍ عندك.



